{لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} (4) (الزخرف: 4) ، والتى تشير هى الأخرى إلى الكتاب الأم والإمام الذى أخذ منه جبريل عليه السلام، ونزل به على النبى صلى الله عليه وسلم على التراخى كما ذكرنا من قبل.
ونأتى الآن إلى قول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتََابَ مِنْهُ آيََاتٌ مُحْكَمََاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتََابِ وَأُخَرُ مُتَشََابِهََاتٌ} (آل عمران: 7) هذه الآية قد أصابت المستشرق بشجّى في حلقه، واعترضت مجرى نفسه إذ أنه لم يفهم عبارة = أم الكتاب = هنا، و = أم الكتاب = في الآيات الأخرى ومن ثم فقد وهم وخلط في توجيه العبارة.
ولتوضيح هذه المسألة نقول إن = أم الكتاب = في قوله تعالى: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتََابِ لَدَيْنََا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} (4) تعنى أصل القرآن الذى جاء المقروء على منواله، وانتسخ منه الكتاب المجيد أما العبارة الواردة في سورة (آل عمران: 7) : {هُنَّ أُمُّ الْكِتََابِ} فتنص على أن من القرآن محكم ومتشابه، وأن الآيات المحكمة يعنى الواضحة الثابتة المفهوم والحكم إنما هى الأصل، أو الأم التى يرجع إليها عند الاختلاف، ويرد إليها النص عند الالتباس، كما يقال = مكة أم القرى = وذلك لما روى = أن الدنيا دحيت من تحتها = و = أم الرأس لمجتمع الشعر =، إذ هو أحظر مكان و = المجرة = يقال لها = أم النجوم =.
قال الخليل بن أحمد: = وكل شىء يضم إليه سائر ما يليه، يسمى أمّا =، و = الفاتحة = = أم الكتاب وأم القرآن = لاشتمالها على أصوله وكل آيات المحكم هن أم القرآن أراد الله تعالى أن يقول للمشككين في وحيه، أن محكم هذا الكتاب، وواضحه، هو الأصل، وهو المعيار وأن آيات المحكم هى الأكثر، وأن المتشابه الذى يحتمل التأويل، وقد يثير الاختلاف، هو الأقل والقرآن الكريم، وهو الكتاب المقروء، كهذا الكون المنظور، فيه الثابت المحكم، والمتغير المتقن محكم القرآن ليس فيه فتور أو خلل، ومتشابهه ليس فيه عوج أو زلل، المحكم يثبّت القلب، والمتشابه يثير العقل، ويستحثه على النظر، وإعمال الفكر، فيقوى الإيمان كما تقوى به الأذهان، وتنتج العلوم، وتجول الخواطر، وتصول القرائح، وبذلك يجد أهل التسليم في القرآن متمناهم وقراهم (غذاءهم) ، كما يجد المتفلسفة والمتأملة مبتغاهم ومرقاهم. أما عبارة = أمّ الكتاب = الواردة في قوله تعالى: {يَمْحُوا اللََّهُ مََا يَشََاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتََابِ} (39) (الرعد: 39) ، فهى خاصة بديوان الخلق والتقدير، والحكم والتدبير، والقضاء والقدر ف = أم الكتاب = تعنى أم المكتوب في سابق علم الله تعالى وأصل تقديره.
بعد هذا العرض للآيات الخاصة بلفظة = كتاب =، وعبارة = أم الكتاب = في القرآن، والتعليق عليها يتضح لنا أن القرآن استعملها في قرائن مختلفة، وفى التعبير عن معان متنوعة، تحددها القرائن، ومواقع الخطاب القرآنى، ليس بينها أدنى ليس أو خلط، ويتضح كذلك أن لفظ = كتاب =، يطلق أكثر ما يطلق في القرآن، على كتاب الله تعالى، الذى يتعبد المسلمون بتلاوته ويتبركون بحمله، وينزلون على حكمه.