فالقرآن قد استعمل لفظ = أنزلنا = مع كل من = السورة =، و = الآيات = التى تشكل في مجموعها السورة =، ولا يعقل القول بأن الآيات المشار إليها بلفظ = أنزلنا = في قرينة السورة، يمكن أن تسمى بمفردها = كتابا مقدسا = بحجة أن الله قد نص على إنزالها والنقطة التى تخفى على الكاتب هنا، هى أن لفظة = أنزل = وما يجرى مجراها، إنما استعملت للتنبيه على معنى خاص، أو حكم خاص، جاءت به = السورة = أو = الآية =، وأراد الله تعالى تأكيده على هذا النحو.
ومن المفيد أن نذكر في هذه القرينة كذلك أن الضمير في = أنزلناها = و = أنزلناه =، راجع إلى = القرآن =، أو إلى = السورة =، ومعناه في الموضعين أنزلنا حامله، أو حاملها لأن القرآن لم ينزل بنفسه بل نزل به جبريل عليه السلام.
يتخذ الكاتب من آيات التحدى بالقرآن المذكورة، دليلا يؤكد به زعمه، بأن = السورة = تطلق على القرآن كله، كما تطلق على بعضه وهو بهذا يكون قد أوجد في الوهم علاقة بين كلمة = سورة = العربية، ومقابلها بالسريانية = سورتا =، والعلاقة هى أن كلا من الكلمتين، يطلق على = الكتاب المقدس = كله أو بعضه واجتهاد الكاتب هنا، في غير محله والصلة بين نتيجته ومقدماته، مبتورة مقطوعة فعبارة القرآن: (فأتوا بسورة مثله) ، و (فأتوا بعشر سور مثله) ، بعود الضمير على القرآن في كل، لا يعنى البتّة أن السورة، والعشر سور، والقرآن، كله بمعنى واحد، كما يحاول هو أن يفرضه والصحيح أن الله تعالى قد تدرج مع العرب في التحدى فقد تحداهم في البداية بكل القرآن: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى ََ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هََذَا الْقُرْآنِ لََا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كََانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (88) (الإسراء:
88)، تلك الآية التى أهمل ويلش الإشارة إليها، في هذا الصدد لأنها لا توافق مدّعاه تفيد بوضوح أن التحدى هنا بكل القرآن، لا بسورة، أو عشر سور منه فقط وهذا في حد ذاته، إشارة واضحة إلى أن القرآن في مجموعه معجز، وفوق قوى البشر العقلية وقدراتهم الإبداعية، كما أنه معجز في سوره وآياته.
انتقل الله تعالى من تحدى العرب، أن يأتوا بمثل القرآن، إلى تحديهم بالسورة، والعشر سور منه، حتى لا يقولون: قرآن جاء به محمد في ثلاث وعشرين عاما، يطالبنا أن نأتى به في الوقت القصير وبلغاؤنا وعباقرتنا، يقلقون ويضطربون، يهيمون ويطوفون، ويطاف بهم، من أجل قصيدة تنشد، أو خطبة تلقى ناهيك بما في القرآن من علوم، ومعارف، ولطائف، وطرائف، وغرائب، وعجائب، تعجز البشر لذلك قال الله لهم:
{قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} ، أو {قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} ، أى من جنسه وقد فات الكاتب أن يلاحظ عود الضمير على = القرآن = كله، لا على = سورة =، أو = العشر سور = إذ أثبت الله في كلا الموضعين كلمة = مثله =، أى القرآن ولم يقل مثلها، يعنى = السورة = أو = العشر سور =. ومن التنزل في التحدى، أن الله لم يحدد لهم حجم السورة، أو السور، التى طلب إليهم أن يأتوا بمثلها بل ترك لهم الاختيار، أن يختاروا ما يظنون أنه في إمكانهم محاكاته.
ومن وهم الكاتب أيضا أنه ربط بين الآيات التى تحدى الله فيها العرب أن يأتوا بمثل القرآن أو بعض سوره، وبين قوله تعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتََابٍ مِنْ عِنْدِ اللََّهِ هُوَ أَهْدى ََ مِنْهُمََا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ} (القصص: 49) بل آية القصص ليس فيها تحدى للقائلين، بأن يأتوا بمثل القرآن وإنما فيها رد عليهم في دعوى أن محمدا صلى الله عليه وسلم، لم يؤت مثل ما أوتى موسى، عليه السلام، من قبل، من الكتب والمعجزات فرد الله تعالى عليهم، بأن أسلافهم قد كفروا بما أوتى موسى واتهموه بالسحر، مرددين قولهم نفسه لمحمد صلى الله عليه وسلم، متخذين الموقف ذاته معه. ثم أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم، أن يقول لهم: ائتوا بكتاب من عند الله هو أكثر هداية من القرآن والتوراة فأتبعه معكم إن كانوا صادقين في دعواهم، وقادرين على تحقيق هذا الأمر ولكنهم بلا أدنى شك، لا يمكنهم ذلك لأن الإتيان بكتاب من عند الله، يتطلب النبوة والرسالة والمعجزة وصدق الله إذ يقول: {وَإِذََا جََاءَتْهُمْ آيَةٌ قََالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتََّى نُؤْتى ََ مِثْلَ مََا أُوتِيَ رُسُلُ اللََّهِ اللََّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسََالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغََارٌ عِنْدَ اللََّهِ وَعَذََابٌ شَدِيدٌ بِمََا كََانُوا يَمْكُرُونَ} (124) (الأنعام: 124) .