وقوله تعالى: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} (1) (ص: 1) ، يقسم الله تعالى بالقرآن ذى الشرف العظيم، والشأن الخطير الجليل في نفسه، لأنه كلام الله الذى يعلو ولا يعلى عليه، وهو كذلك في نفس تاليه، وسامعه، وفى نفس من يعمل به، ويلتزم بأحكامه. وسمى = القرآن = ب = الذكر = كذلك، لأنه يشتمل على ما يذكّر الغافل، وينبه اللاهى بالله تعالى ويحفزه للعمل الصالح في دينه ودنياه.
وقوله تعالى: {إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمََا أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ هََذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغََافِلِينَ} (3) (يوسف: 32) . فالرسول صلى الله عليه وسلم كان غافلا عن تاريخ الأمم، والرسل، والملوك، وما جرى لهم بمعنى أنه كان يجهل كل ذلك ولم تكن له دراية به حتى عرّفه الله تعالى بذلك كله، وجعله ممن يذكره أى القرآن فلا ينساه، ويعيده فلا ينقص منه ولا يزيد فيه:
{سَنُقْرِئُكَ فَلََا تَنْسى ََ (6) إِلََّا مََا شََاءَ اللََّهُ} (الأعلى: 76) ومن المفيد جدا أن ننبه على السر في اختيار الله لكلمة = غافل = في نفى المعرفة عن محمد، فنقول إن لفظة = غافل = تقابلها كلمتى = ذاكر =، = وناس = ومن حكمة الله تعالى، ودقة القرآن أنه استعمل كلمة = غافل = دون = ناس =، وذلك لأن الكلمة الأولى تفيد بوضوح عدم علم محمد بما كان في الكتب السابقة بالمرة، وهو ما كان عليه النبى صلى الله عليه وسلم بالفعل وأما الكلمة الثانية = ناس =، فتفيد علما سابقا على النسيان وهذا الوصف لا يصدق على محمد صلى الله عليه وسلم بحال.
ومن هذه الآيات قوله تعالى: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخََافُ وَعِيدِ} (45) (ق: 45) والعبارة هنا بمعنى الغفلة والنسيان معا جاء الفعل = اذكر = مقترنا ب = الكتاب = الذى هو = القرآن = في خمسة مواضع من الكتاب العزيز، في سورة مريم (16، 41، 51، 54، 56) ، كذلك ورد بصيغة الأمر للجماعة، مصحوبا بلفظى = الكتاب =، و = الحكمة =، كما في سورة الأحزاب، وقد مر بنا. وجاءت الآية في سياق الحديث عن خلقيات الحياة الزوجية، وما ينبغى أن تتحلى به المرأة المسلمة من مؤهلات وفضائل.
كذلك جاءت الآية في سياق الحديث عن تحريف كتب الله السابقة على القرآن:
{يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوََاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمََّا ذُكِّرُوا بِهِ} (المائدة: 13) . المشار إليهم هنا، هم اليهود والنصارى، حرفوا بعض كتب الأنبياء، ونسوا بعضها، فجاءت كتبهم مملوءة بالأغاليط، والأوهام، والتناقضات الكثيرة لكثرة التبديل الذى أصابها، والتحريف بالزيادة والنقصان الذى اعتورها، على تعاقب الأجيال والزمان، وصاروا لذلك فرقا متناحرة، وأحزابا متلاعنة، وطوائف متناكرة لا تجتمع أبدا.
فى آيات كثيرة يدعو الله تعالى عباده إلى الذكر، وذكر الله، والخوف منه، والرجاء فيه وذلك لأن الله تعالى يرفع مكانة الذكر والذاكرين والذاكرات، إلى
أعلى الدرجات، لأن من ذكر الله تعالى، استحضر عظمته، ومن استحضر عظمته، خاف وأشفق، ومن خاف وأشفق، أدلج فبلغ المنزل كل شىء مترتب على ذكر الله تعالى، ولا يذكر الله ولا يستحضر عظمته، إلا من له قلب متعلق بالله ويعرف الله {إِنَّ فِي ذََلِكَ لَذِكْرى ََ لِمَنْ كََانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (37) (ق: 37) ، {وَمََا يَتَذَكَّرُ إِلََّا مَنْ يُنِيبُ} (13) (غافر: 13) .