وَبِلاَ شَكٍّ أَنَّ الصِّحَةَ عَرَضٌ لا يَدُوْمُ بَلْ يَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ وأَنَّ المَرَضَ يُفْقِدُ الإِنْسَانَ مُعْظَمَ طَاقَتَهُ عَلَى العَمَلِ بَلْ رُبَّمَا فَقَدَهَا كُلَّهَا وَعَجِزَ فَمِنَ السَّفَهِ والحُمُقِ إِذًا أَنْ لاَ يَغْتَنِمَ الإِنْسَانُ فُرْصَةَ الصِّحَّةِ والفَرَاغِ مِن الشَّوَاغِلِ لِلطَّاعَةِ والعِبَادَةِ.
وَكُلُّ إنْسَانٍ يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ يَتَقَدَّمُ بِهِ الزَّمَنُ يَقْصُرُ عُمُرُهُ وَمَقْدِرَتُهُ عَلَى العَمَلِ تَضْعُفُ كُلَّمَا خَطَا بِهِ الزَّمَنُ وَمحْصُوْلُهُ مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ يَقِلُّ كُلَّمَا أَقْعَدَهُ المَرَضُ أَوْ أَثْقَلَتْهُ السُّنُوْن فالعَاقِلُ اليَقِظُ يُحَافِظُ عَلَى وَقْتِهِ أَكْثَرَ مِنْ مُحَافَظَتِهِ عَلَى مَالِهِ وَلاَ يُضَيِّعُ مِنْهُ شَيْئًا بَلْ يَسْتَعْمِلَهُ فِيْمَا يُقَرِّبُهُ إِلى اللهِ والدّارِ الآخِرَةِ أَوْ مَا هُوَ سَبَبٌ إِلى ذَلِكَ فَإِنَّ فَاتَهُ شَيْءٌ أَوْ نَسِيَ شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِهِ بِاللّيْلِ قَضَاهُ بِالنَّهَارِ وبِالعَكْسِ.
وللهِ آياتٌ كَوْنِيَّةٌ وآيَاتٌ قُرْآنِيّةٌ يَتَمَشَّى المُسْلِمُ النَّشِيْطُ المُبْتَعِدُ عَنْ الكَسَل والعَجْزِ عَلَى ضَوْئِهَا قَالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} وَقَالَ: {إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} .
وَقَالَ تَعَالَى: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} فاللهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْ هَذِهِ عَبَثًا فالذّاهِلُونَ عن مَعَانِيْ هَذِهِ الآياتِ، الهَائِمُوْنَ وَرَاءَ مَنَافِعِهِمْ المُعَجَّلَةِ حَمْقَي لا يَنْتَصِحُوْنَ مِن حِكْمَةٍ وِلا يَسْتَفِيْدُوْنَ مِنْ دَرْسٍ تَجِدْهُمْ لا يُبَالُوْنَ بإضَاعَةِ أوقَاتِهمْ فِي غَيْرِ فائِدَةٍ وَرُبَّما أَضاعُوْهَا فِي المَعَاصِي.
شِعْرًا: ... أَجْنِبْ جِيَادًا مِنَ التَّقْوى مُضَمَّرةٌ ... لِلْسَّبْقِ يَومَ يَفُوزُ النّاسُ بالسّبَقِ
ثَمُرُّ مَرَّ الرَّيَاحِ الهُوْجِ عَاصِفةٌ ... أوْ لَمْحَةِ البَرْقِ إذَا يَجْتَازُ بالأفُقِ
وَارْكُضْ إِلى الغَايَةِ القُصْوى وخَلِّ لَهَا ... عِنَانَ صِدْقٍ رَمَى فِي فِتْيَةٍ صُدُقِ
فإِنَّ خلْفَكَ أعْمَالًا مُثَبِّطَةٌ ... ولَسْتَ تَنْهَضُ إِلاَّ وَيْكَ بالعَنَقِ
كَمْ حَّلَ عَزْمَكَ مِن دُنْيًا مُعَرَّجَة ... بِقَصْدِكَ اليومَ عن مَسْلُوْكَةِ الطُّرِقِ
يَا غَافِلًا والمَنَايَا مِنْهُ ذَاكِرَةٌ ... وَضَاحِكًا والرَّدَى مِنْهُ عَلَى حَنَقِ