فهرس الكتاب

الصفحة 699 من 3875

نَصِيحَةُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيّ لِهَارُون الرَّشِيدِ

مِنْ عَبْدِ اللهِ هَارُون أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَخِيهِ فِي اللهِ سُفْيَان بن سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ.

أَمَّا بَعْدُ يَا أَخِي، فقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ اللهَ آخَى بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ آخَيْتُمْ فِي اللهِ مُؤَاخَاةً لَمْ أَصْرِمْ فِيهَا حَبْلكَ، وَلَمْ أَقْطَعْ مَنْهَا وُدّكَ، وَإِنِّي مُنْطَو لِكَ عَلَى أَفْضَلِ الْمَحَبَّةِ، وَأَتَمِّ الإِرَادَةُ.

وَلَوْلا هَذِهِ الْقلادَةِ الَّتِي قَلَدَنِيهَا اللهُ تَعَالَى لأَتَيْتُكَ وَلَوْ حَبْوَا، لِمَا أَجِدُ لَكَ فِي قَلْبِي مِنَ الْمَحَبَّةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ إِخْوَانِي إِلا زَارَنِي وَهَنَّأَنِي بِمَا صِرْتُ إِلَيْهِ.

وقَدْ فَتَحْتُ بُيُوتَ الأَمْوَالِ، وَأَعْطَيْتُهُمْ مِنَ الْمَوَاهِبِ السَّنِيَّةِ، مَا فَرِحَتْ بِهِ نَفْسِي وَقَرَتْ بِهِِ عَيْنِي وَقَدْ اسْتَبْطَأْتُكَ، وَقَدْ كَتَبْتُ كِتَابًا مِنِّي إِلَيْكَ اعُلِمُكَ بِالشَّوْقِ الشَّدِيدِ إِلَيْكَ.

وقَدْ عَلِمْتَ يَا أَبَا عَبْدَ اللهِ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ زِيَارَةِ الْمُؤْمِنِ وَمُوَاصَلَتِهِ فَإِذَا وَرَدَ عَلَيْكَ كِتَابِي هَذَا فَالْعَجَلَ الْعَجَلَ.

ثُمَّ أَعْطَىَ الْكِتَابَ لِعَبَّادِ الطَّالَقَانِيِّ وَأَمَرَهُ بِإِيصَالِهِ إِلَيْهِ، وَأَنْ يُحْصِي عَلَيْهِ بِسَمْعِهِ وقَلْبِهُ دَقِيقَ أَمْرَهُ وَجَلِيلِهِ لِيُخْبِرَهُ بِهِ، قَالَ عَبَّادٌ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى الكُّوفَةِ فَوَجَدْتُ سُفْيَانَ فِي مَسْجِدِهِ، فَلَمَّا رَآنِي عَلَى بُعْدٍ قَامَ وَقَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَأَعُوذُ بِكَ اللَّهُمَّ مِنْ طَارِقٍ يَطْرَقُ إِلا بخَيْرٍ.

قَالَ: فَنَزَلْتُ عَنْ فَرَسِي بِبَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَامَ يُصَلِّي وَلَمْ يَكُنْ وَقْتُ صَلاةٍ: فَدَخَلْتُ وَسَلَّمْتُ فَمَا رَفَعَ أَحَدٌ مِنْ جُلَسَائِهِ رَأْسَهُ إِلَيَّ، قَالَ فَبَقِيتُ وَاقِفًا وَمَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَعْرِضُ عَلَيَّ الْجُلُوسِ، وَقَدْ عَلَتْنِي مِنْ هِيبَتِهِمْ الرَّعْدَة، فَرَمِيتُ بِالْكِتَابِ إِلَيْهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت