"فَصْلٌ": وداء فِي تفسير قوله تَعَالَى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ} الآيَة. أنها نزلت فِي أبي عبيدة.
وإليك الْقِصَّة مسوقة بأكملها، أبو عبيدة بن الجراح رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، كَانَ صحابيًا جليلًا وبطلًا عظيمًا مِنْ أَبْطَالِ الإِسْلامِ مِنَ الْمُجَاهِدِينَ، حَرصَ أَبُوهُ عَبْدُ اللهِ عَلَى قَتْلِهِ فِي أَوْلِ لِقَاءٍ، لأَنَّ أَبَا عُبَيْدَة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ تَرَكَ دِينَ أَبِيهِ، وَاعْتَنَقَ الإِسْلامَ، وَتَخَلَّفَ عَنْ قَافِلَةَ قُرَيْش، وَالْتَحَقَ بِقَافِلَةِ مُحَمَّد بن عَبْد اللهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُؤْمِنًا بِدِينِهِ مُصَدِّقًا بِرِسَالَتِهِ.
تَصَدَى عَبْد اللهِ لابْنِهِ مُحًاوِلًا قَتْلَهُ، فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَكن الابْن أَبْعَدَ عَنْهُ وَحَوَّلَ سَيْفَهُ عَنْ أَبِيهِ وَانْطَلَقَ إِلَى فِئَةٍ أُخْرَى غَيْرَ التي فِيهَا أَبُوهُ، يُقَاتِلُهَا وَيُجَاهِدُهَا وَافْتَرَقَ الرَّجُلانِ وَلَكن الأَبَّ بَحَثَ عَنْ ابْنِهِ حَتَّى الْتَقَى بِهِ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَرَفَعَ سَيْفَهُ عَلَيْهِ وَوَجَّهَ إِلَيْهِ ضَرْبَةً قَاضِيَةً اسْتَقْبَلَهَا أَبُو عُبَيْدَة بِحَرَكَةٍ خَفِيفَةٍ، جَعَلَتْهَا تهوى فِي الْفَضَاءِ.
وَلَكن الأَبَّ مُصَمِّمٌ عَلَى أَنْ لا يَفْلِتَ الابْن مَهْمَا كَلَّفَهُ ذَلِكَ مِنْ غَالِي الثَّمَنَ فَبَحَثَ عَنْ ابْنِهِ هُنَا وَهُنَاكَ، وَنَقَّبَ عَنْهُ فِي كُلِّ مَكَانَ حَتَّى الْتَقَى بِهِ مَرَّةً ثَالِثَةً، وَرَفَعَ الرَّجُلَ سَيْفَهُ لِيُوَجِّهُ إِلَى ابْنِهِ ضَرْبَةً قَاضِيةً مُمِيتَةً يَشْفِي كلوم قَلْبه وَتَهْدَأَ بِهَا نَفْسُهُ الثَّائِرَةَ عَلَى ابْنِهِ الصَّابِئِ.
وَهُنَا نَظَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّ أَبَاهُ يَعْتَرِضُ وَيَتَصَدَّى لَهُ وَفِي اعْتِرَاضِهِ هَذَا