وبينهم عداوة وهَذَا لَيْسَ لَهُ سبب إلا التعمق فِي الخبث والرذالة والنذالة والخساسة فِي الطبع اللئيم ولذَلِكَ يعسر معالجة هَذَا السبب لأنه جهول ظلوم ولَيْسَ يشفِي علة صدره ويزيل حزازة الحسد الكامن فِي قَلْبهِ إلا زَوَال النعمة فحينئذ يتعذر الدواء أو يعز ومن هَذَا قول بعضهم.
وَكُلٌّ أُدَاوِيْهِ عَلَى قَدْرِ دَائِهِ
سِوَى حَاسِدِي فَهْيَ الَّتِي لاَ أَنَالُهَا
وَكَيْفَ يُدَاوِيْ المَرْؤُ حَاسِدَ نِعْمَةٍ
إِذَا كَانَ لاَ يُرْضِيْهِ إلا زَوَالُهَا ... ›?
قال بَعْضهمْ: رَأَيْت أكثر النَّاس إلا من عصم الله وقليل ما هم يتعجلون الشقاء والهم والتعب لأنفسهم فِي الدُّنْيَا ويحتقبون عَظِيم الإثم الموجب للنار فِي الآخرة بما لا يحظون معه بنفع أصلًا من نيات خبيثة يحرصون عَلَيْهَا من تمني الغلاء المهلك للناس وللصغار ومن لا ذنب لَهُ وتمني أشد البَلاء لمن يكرهونه وقَدْ علموا يقينًا أن تلك النيات الفاسدة لا تعجل شيئًا مِمَّا يتمنونه أو توجب كونه وأنَّهُمْ لَوْ وصفوا نياتهم وحسنوها لتعجلوا الرَّاحَة لأنفسهم وتفرغوا بذَلِكَ لمصالح أمورهم، ولا اقتنوا عَظِيم الأجَر فِي المعاد، من غَيْر أن يؤخر ذَلِكَ شيئًا مِمَّا يريدونه أو يمنع كونه، فأي غبن أعظم من هذه الحال التي نبهنا عَلَيْهَا 1 هـ.
وأما الأسباب الأخري فيتصور إزالتها فِي المعالجة, وقَدْ تجتمع أسباب الحسد المذكور كُلّهَا فِي شخص واحد أو أكثرها.
... أَعْطَيْتُ كُلَّ النَّاسِ مِنْ نَفْسِي الرِّضَا ... إلا الحَسُودَ فِإَنَّهُ أَعْيَانِي
لاَ أَنَّ لِي ذَنْبًا لَدَيْهِ عَلِمْتُهُ ... إلا تَظَاهُرُ نِعْمَةِ الرَّحْمَنِ