فَقَالَ: غُلامُكَ زَيْدُ بنُ حَارِثَة.
فَقَالَ: (( وَهَلْ لَكُمَا فِيمَا هُوَ خَيْرٌ مِنَ الْفِدَاءِ ) )؟
فَقَالا: وَمَا هُوَ؟!
فَقَالَ: (( أَدْعُوهُ لَكُمْ، فَخَيَّرُوهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، فَإِنْ اخْتَارَكُمْ فَهُوَ لَكُمْ بِغَيْرِ مَالٍ وَإِنْ اخْتَارَنِي فَمَا أَنَا - والله - بِالذِي يَرْغَبُ عَمَّنْ يَخْتَارُه ) ).
فَقَالا: لَقَدْ أَنْصَفْتَ وَبَالَغْتَ فِي الإِنْصَافِ.
فَدَعَا مُحَمَّدٌ زَيْدًا وَقَالَ:
(( مَنْ هَذَانِ ) )؟
قَالَ: هَذَا أَبِي حَارِثَةُ بنُ شُرَاحِيلَ، وَهَذَا عَمِّي كَعْبٌ.
فَقَالَ: (( قَدْ خَيَّرْتُكَ: إِنْ شِئْتَ مَضَيْتَ مَعَهُمَا، وَإِنْ شِئْتَ أَقَمْتَ مَعِي ) ).
فَقَالَ - فِي غَيْرِ إِبْطَاءٍ وَلا تَرَدُّدٍ: بَلْ أُقِيمَ مَعَكَ.
فَقَالَ أَبُوهُ: وَيْحَكَ يَا زَيْدُ، أَتَخْتَارُ الْعُبُودِيَّةَ عَلَى أَبِيكَ وَأُمِّكَ؟!
فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ شَيْئًا، وَمَا أَنَا بِالذِي يُفَارِقُهُ أَبَدًا.
فَلَمَّا رَأَى مُحَمَّدٌ مِنْ زَيْدٍ مَا رَأَى، أَخَذَ بِيَدِهِ وَأَخْرَجَهُ إِلى الْبَيْتَ الْحَرَامِ وَوَقَفَ بِهِ بِالْحِجْرِ عَلَى مَلاءٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَقَالَ:
(( يَا مَعْشَرَ قُرَيْش اشْهَدُوا أَنَّ هَذَا ابْنِي يَرِثُنِي وَأَرِثُه ) )...
فَطَابَتْ نَفْسُ أَبِيهِ وَعَمِّهِ، وَخَلَّفَاهُ عِنْدَ مُحَمَّدِ بن عَبْدِ اللهِ، وَعَادَ إِلى قَوْمِهِمَا مُطْمَئِنِّي النَّفْسَ مُرْتَاحِي الْبَالِ.
وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَصْبَحَ زَيْدُ بنُ حَارِثَهَ يُدْعَى بِزَيْدِ بن مُحَمَّدٍ، وَظَلَّ يُدْعَى كَذَلِكَ حَتَّى بُعِثَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ وَأَبْطَلَ الإِسْلامَ التَّبَنِّي حَيْثُ نَزَلَ قَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} فَأَصْبَحَ يُدْعَى: زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ.