ثُمَّ نَظَرَ إِلى عَمْرو وَصَاحِبِهِ وَقَالَ: رُدُّوا عَلَى هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ هَدَايَاهُمَا فَلا حَاجَةَ لِي بِهَا.
قَالَتْ أُمُّ سَلَمَة: فَخَرَجَ عَمْرُو وَصَاحِبُه مَكْسُورِينَ مَقْهُورِينَ يَجُرَّانِ أَذْيَالَ الْخَيْبَةِ، أَمَّا نَحْنُ فَقَدْ أَقَمْنَا عِنْدَ النَّجَاشِيّ بِخَيْرِ دَارٍ مَعْ أَكْرَمِ جَارٍ.
أَمضَى جعْفَرُ بن أبي طَالِبٍ هُوَ وَزَوْجَتُهُ فِي رِحَابِ النَّجَاشِي عَشْرَ سَنَوَاتٍ آمِنِينَ مُطْمَئِنِّينَ وَفِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ غَادَرُوا بِلادَ الْحَبَشَةِ مَعَ نَفَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلى الْمَدِينَةِ فَلَمَّا بَلَغُوهَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِدًا مِنْ خَيْبَر بَعْد أَنْ فَتَحَهَا اللهُ لَهُ فَفَرِحَ بِلِقَاءِ جَعْفَرَ فَرَحًا شَدِيدًا حَتَّى قَالَ: «مَا أَدْرِي بَأَيُّهَمَا أَنَا أَشَدُّ فَرَحًا أَبِفَتْحِ خَيْبَرَ أَمْ بِقُدُومِ جَعْفَرٍ» .
وَلَمْ تَكُنْ فَرْحَةُ الْمُسْلِمِينَ وَالْفُقَرَاءِ خَاصَةً بِعَوْدَةِ جَعْفَرٍ بَأَقَلَّ مِنْ فَرْحَةِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ فَقَدْ كَانَ جَعْفَرُ شَدِيدَ الْحَدْبِ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَالْمَسَاكِينِ كَثِيرَ الْبِرِّ بِهِمْ حَتَّى كَانَ يُلْقَّبُ بَأَبِي الْمَسَاكِينِ.
أَخْبَرَ عَنْهُ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ: كَانَ خَيْرَ النَّاسِ لَنَا مَعْشَرَ الْمَسَاكِينِ جَعْفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَدْ كَانَ يَمْضِي بِنَا إِلى بَيْتِهِ فَيُطْعِمُنَا مَا يَكُونُ عِنْدَهُ حَتَّى نَفَدَ طَعَامُهُ أَخْرَجَ لَنَا الْعُكَّةَ الَّتِي يُوضَعُ فِيهَا السَّمْنُ وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ فَنَشُّفُهَا وَنَلْعَقُ مَا عَلِقَ بِدَاخِلِهَا.
وَفِي أَوَائِلِ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ جَهَّزَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَيْشًا لِمُنَازَلَةِ الرُّومِ فِي بِلادِ الشَّامِ وَأَمَّرَ عَلَى الْجَيْشِ زَيْدَ بنَ حَارِثة وَقَالَ: «إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ فَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللهِ ابن رَوَاحَةَ فَإِنْ قُتِلَ عَبْدُ اللهِ بن رَوَاحَةِ فَلَيْخَتَرْ الْمُسْلِمُونَ لأَنْفُسِهِمْ أَمِيرًا مِنْهُمْ» .