بَيْدَ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ أَمْسَكَ سَاعَةً لا يَتَكَلَّم ... ثُمَّ صَرَفَنَا بِسَلام.
وَقَدِ امْتَدَّتِ الْحَيَاةُ بِطَاوُوسِ بنِ كَيْسَانَ حَتَّى بَلَغَ الْمَائَةَ أَوْ جَاوَزَهَا قَلِيلًا غَيْرَ أَنَّ الْكِبَرَ وَالشَّيْخُوخَةَ لَمْ يَنَالاَ شَيْئًا مِنْ صَفَاءِ ذِهْنِهِ وَحِدَّةِ خَاطِرِهِ وَسُرْعَةِ بَدِيهَتِهِ.
حَدَّثَ عَبْدُ الله الشَّامِيُّ قَالَ: أَتَيْتُ طَاوُوسًا فِي بَيْتِهِ لآخُذَ عَنْهُ، وَأَنَا لا أَعْرِفُهُ فَلَمَّا طَرَقْتُ الْبَابَ خَرَجَ إِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ فَحَيَّيْتُهُ وَقُلْتُ: أَأَنْتَ طَاوُوسُ بنُ كَيْسَان؟
فَقَالَ: بَلْ أَنَا ابْنُهُ ...
فَقُلْتُ: إِنْ كُنْتُ ابْنُهُ فَلا آمَنُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ قَدْ هَرِمَ وَخَرِفَ وَإِنِّي قَصَدْتُهُ مِنْ أَمَاكِنَ بِعِيدَةٍ لأفِيدَ مِنْ عِلْمِهِ.
فَقَالَ: وَيْحَكَ ...
إِنَّ َحَمَلَةَ كِتَابِ الله لا يَخْرَفُون.
أُدْخُلْ عَلَيْهِ.
فَدَخَلْتُ وَسَلَّمْتُ، وَقُلْتُ:
لَقَدْ أَتَيْتُكَ طَالِبًا عِلْمَكَ رَاغِبًا فِي نُصْحِكَ.
فَقَالَ: سَلْ وَأَوْجِزْ.
فَقُلْتُ: سَأَوجِزُ مَا وَسِعَنِي الإِيجَاز إِنْ شَاءَ الله.
فَقَالَ: أَتُرِيدُ أَنْ أَجْمَعَ لَكَ صَفْوَةَ مَا فِي التَّوْرَاةِ، وَالزَّبُورِ، وَالإِنْجِيلِ، وَالْقُرْآن؟
فَقُلْتُ: نَعَم.
فَقَالَ: خِفِ الله تَعَالى خَوْفًا بِحَيْثُ لا يَكُونُ شَيْءٌ أَخْوَفَ لَكَ مِنْهُ ...