فَقَالَ لَهُ الْوَزِيرُ: فَلَعَلَّهُ مَا يَعْلَمْ أَنَّها صَنْعَتَكَ؟ قَالَ: بَلَى إِنَّ الْقَوْسَ قَدْ أَخْبَرْتُهُ أَنَّهَا صَنْعَتِي.
قَالَ الْوَزِيرُ: أَرَأَيْتَ قَوْسًا تُخْبِرُ قَالَ: نَعَمْ إِنَّ اسْمِي مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا وَقَدْ قَرَأَهُ وَأَنَا أَسْمَعُ ثُمَّ إِنَّ الْوَزِيرَ صَرَفَ الصَّانِعَ وَالْغُلام.
ثُمَّ قَالَ لِلْمَلِكِ: قَدْ أَوْضَحْتُ نُصْحِي وَإِشْفَاقِي عَلَيْكَ وَذَلِكَ أَنَّكَ لَمَّا رَأَيْتَ الْبَطْشَ بالشَّيْخِ أَخْبَركَ أَنَّ الله رَبَّهُ فَخِفْتُ عَلَيْكَ مِنْ رَبِّهَ أَنْ يَغْضَبَ لَهُ كَمَا غَضِبَ هَذَا الْقَوَّاسُ لِقَوْسِهِ. فَقَالَ الْمَلِكُ: وَهَلْ لِلشَّيْخ رَبٌّ غَيْرِي.
قَالَ الْوَزِيرُ: أَلَمْ يَرَهْ الْمَلِكُ شَيْخًا وَالْمَلِكُ شَابٌّ فَهَلْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُولَد الْمَلَكُ لا رَبَّ؟ فَقَالَ الْمَلِكُ إِنَّ أَبِي كَانَ رَبَّهُ.
قَالَ الْوَزِيرُ: فَمَا بَالُ الرَّبِّ هَلَكَ وَالْمَرْبُوبُ بَقِيَ فَسَكَتَ الْمَلِكُ سَاعَةً ثُمَّ قَالََ: الآنَ عَلِمْتُ أَنَّ لِلْمَلِكِ وَالْمَمْلُوكِ رَبًّا لا يَزُولُ فَهَلْ تَعْرِفُهُ؟
قَالَ الْوَزِيرُ: نَعَمْ أَعْرِفُهُ. قَالَ: صِفْهُ لِي وَدُلَّنِي عَلَيْهِ فَشَرَعَ الْوَزِيرُ يَشْرَحُ لَهُ صِفَاتِ الْخَالِقِ وَأَوْضَحَ لَهُ الدَّلالَةَ عَلَى ذَلِكَ فَانْشَرَحَ صَدْرُ الْمَلِكِ للإِيمَانِ فَآمَنَ بِاللهِ تَعَالى.
فَلَمَّا رَسَخَ التَّوْحِيدُ فِي قَلْبِهِ قَالَ: أَمَّا لِرَبِّنَا خَدْمَةُ نَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِهَا؟ قَالَ: إِنَّ اللهَ غَنِيُّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ قَالَ: فَهَلْ أَمَرَنَا بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْنَاهُ حُظِينَا عِنْدَهُ؟
قَالَ: بَلَى إِنَّ لَهُ عَلَيْنَا وَضَائِفَ أَمَرَنَا بِهَا وَرَضِيَ لَنَا فِعْلَهَا وَوَعَدَنَا رِضْوَانَهُ وَالْقُرْبَ مِنْهُ فَسَأَلَهُ عَنْهَا فَذَكَرَ لَهُ الصَّلاةَ وَالصِّيَامَ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الشَّرَائِعَ فَعَرَفَهَا الْمَلِكُ وَرَاضَ نَفْسَهُ بِهَا حَتَّى رَسَخَ فِي عِلْمِهَا وَتَمَرَّنَ عَلَى الْعَمَلِ بِهَا.
ثُمَّ قَالَ يَوْمًا لِلْوَزِير: مَالَكَ لا تَدْعُوا النَّاس إلى الله تعالى كَمَا دَعَوْتَنِي؟ فَقَالَ: لأَنَّ الأَمَّةَ ذَاتَ قُلُوبٍ قَاسِيَةٍ وَفِهُومٍ قَصِيَّةٍ وَنُفُوسٍ عَصِيَّةٍ وَلَسْتَ آمَنُهُم عَلَى نَفْسِي.