وقال ابن مسعود، وذكر هذه الآية: لم يأت وقتها (1) .
قال القاضي: ولعمري في ذلك الزمان إن الأمر على ما قيل، وما أمكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي ذكره الله في ثلاثة عشر موضعًا من كتابه (2) ، فلم يأت الوقت، فإنا نقدر ذلك (3) ، ولم يمكن، ورأيت هوى متبعًا، وشحًا مطاعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وغلبة من لا دين له، فقد جاء وقتها، وعلى الإنسان بنفسه (4) ،
(1) تفسير عبد الرزاق: 1/ 199، الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: 288، سنن سعيد بن منصور: 4/ 1655 - 1660، تفسير الطبري: 7/ 94، تفسير ابن أبي حاتم: 4/ 1227، المعجم الكبير: 9/ 221.
(2) سورة آل عمران: 104، 110، 114، سورة النساء: 114، سورة المائدة: 79، سورة الأعراف: 157، 165، 199، سورة التوبة: 71، 112، سورة هود: 116، سورة الحج: 41، سورة لقمان: 17.
(3) أي: إذا أمكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقدرنا عليه فإنه لم يأت وقت هذه الآية.
(4) روى أبو داود في سننه: 4/ 123 الموضع السابق عن أبي أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني فقلت: يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية: (عليكم أنفسكم) ؟ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا، سألتُ عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا، وهوى متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك يعني بنفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيه مثل قبض على الجمر، للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله. ورواه الترمذي في سننه: أبواب التفسير سورة المائدة وقال: حديث حسن غريب .. تحفة الأحوذي: 8/ 424، وابن ماجة في سننه: 2/ 384 أبواب الفتن باب قوله تعالى (يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم) ، وابن جرير في تفسيره: 7/ 97، وابن أبي حاتم في تفسيره: 4/ 1225، وابن حبان في صحيحه: 2/ 109، والحاكم في المستدرك: 4/ 358 كتاب الرقاق وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في سننه: 10/ 92 الموضع السابق.
قال الطحاوي معلقًا على هذا الحديث: فعقلنا بهذا الحديث أن معنى قول أبي بكر - رضي الله عنه: إن الناس يضعون هذه الآية في غير موضعها. يريد بها سيعملونها في غير زمنها , وأن زمنها الذي يستعمل فيه هو الزمن الذي وصفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي ثعلبة بما وصفه به، ونعوذ بالله عز وجل منه، وأن ما قبله من الأزمنة فإن فرض الله عز وجل فيه على عباده الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى تعود الأمور إلى ما أمر الله عز وجل أن يكون الناس عليه من امتثال ما أمرهم الله به عز وجل والانتهاء عما نهاهم عنه.
ثم ذكر أحاديث في أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم قال: ففيما ذكرنا توكيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى يكون الزمان الذي ينقطع ذلك فيه، وهو الزمان الذي وصفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي ثعلبة الذي لا منفعة فيه بأمر بمعروف ولا بنهي عن منكر، ولا قوة مع من ينكره على القيام بالواجب في ذلك، فسقط الفرض عنه فيه , ويرجع أمره فيه إلى خاصة نفسه، ولا يضره مع ذلك من ضل. هكذا يقول أهل الآثار في هذا الباب على ما قد صححنا هذه الآثار عليه. [شرح معاني الآثار: 3/ 213 - 216] .