عنوة (1) ، واستخلف على الحج سنة ثمان عَتَّاب بن أَسِيد (2) ، ثم ولي الحج في سنة تسع أبا بكر - رضي الله عنه -، وكانوا يحجون على رسومهم (3) التي كانوا عليها، ولم يكن فُرِض الحج على النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أُمر به (4) ، ليعود الزمان كهيئته، وعلى ما حج عليه إبراهيم الخليل - صلى الله عليه وسلم - من مناسكه وأفعاله ورسومه.
وكانت حجة عَتَّاب وحجة أبي بكر في ذي القعدة، في النسيء الذي كان في الجاهلية (5) .
(1) اختلف أهل العلم في فتح مكة عنوة:
فذهب المالكية، والحنفية، والحنابلة ـ في المشهور ـ إلى أن مكة فتحت عنوة.
وذهب الشافعية، ورواية عن أحمد؛ إلى أنها فتحت صلحا.
ينظر: الأم للشافعي (7/ 362) أحكام القرآن للجصاص (5/ 60) وأحكام القرآن لابن العربي (3/ 276) وشرح فتح القدير (5/ 458) والذخيرة للقرافي (3/ 427) والإنصاف للمرداوي (4/ 288) .
(2) هو: عتاب بن أسيد بن أبي العِيْص بن أمية بن عبد شمس، أبو عبد الرحمن القرشي، أسلم يوم فتح مكة، واستعمله النبي - صلى الله عليه وسلم - عليها، وأقام الحج للناس في ذلك العام، توفي بمكة سنة 22 هـ. ينظر: طبقات ابن سعد (5/ 310) والإصابة (4/ 492) .
(3) قوله: على رسومهم، أي على عاداتهم وآثارهم في الجاهلية، قال في معجم مقاييس اللغة، مادة: رسم:"الرسم أثر الشيء، ويقال ترسمت الدار أي نظرت إلى رسومها".
(4) ما ذكره المؤلف ـ رحمه الله ـ فيه رد على دليل القائلين بأن الحج واجب على التراخي، قالوا: لأنه فرض سنة ست، ولم يحج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا في السنة العاشرة، وهو قول الشافعية، والمالكية في رواية، وذهب الحنفية، والمالكية في المشهور، والحنابلة؛ إلى أن الحج على الفور.
ينظر: النوادر والزيادات (2/ 317) والتمهيد (16/ 136) والمغني (3/ 241) والمجموع (7/ 70) وشرح فتح القدير (2/ 417)
(5) النسيء في اللغة: التأخير، قال في معجم مقاييس اللغة مادة: نسي:"والنسيء في كتاب الله التأخير"ونسيء الجاهلية: أنهم كانوا يؤخرون حرمة الشهر الحرام إلى شهر حلال.
أما صفة هذا النسيء، فقد اختلف فيها أهل العلم خلافا واسعا، وذلك أن ما نقل من كلام السلف في بيان صفته، يكتنفه غموض يجعل استبانة صفة النسيء عسيرة، قال البقاعي في نظم الدرر (8/ 455) :"وتحقيق معنى ما كانت العرب تفعله ... عَسِرٌ قل من أتى فيه بما يتضح".
ومن لازم هذا النسيء؛ أن الحج يتنقل بين الشهور في كل عام، فمرة يقع في ذي الحجة، ومرة يقع في المحرم، ومرة في صفر، وهكذا دواليك.
ينظر في صفة النسيء: غريب الحديث لأبي عبيد (2/ 158) ، وتفسير الطبري (6/ 371) ، ونظم الدرر (8/ 455) .
وما ذكره المؤلف ـ رحمه الله ـ من أن حجة عتاب وأبي بكر - رضي الله عنهم - وقعتا في النسيء، في شهر ذي القعدة، فيه تفصيل:
فأما حجة عتاب - رضي الله عنه - فمحتمل أنها وقعت في ذي القعدة، وأما حجة أبي بكر - رضي الله عنه - فبعيد أن تكون وقعت في ذي القعدة، بل وقعت في ذي الحجة، وذلك لأمرين: