فأعلمه أنه ممنوع من العود، وإن كانت الكفارة قد صارت في الذمة، وليس تلزم الذمة إلا بالعود الموصول بالوطء، واستدامة إرادته حتى تنقضي الكفارة، فتقع بها الإباحة، وكل ذلك ذهب عن الشافعي وقال: لا بأس بوطء المظاهر في ليل الصيام (1) ، خالف نص القرآن والسنة.
قال الله تبارك وتعالى: وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ
بِهِ اللَّهُ (2) إلى آخر الآية.
روى حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب (3) ، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو (4) ، أن اليهود أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: السام عليكم، وقالوا في أنفسهم: لولا يعذبنا الله بما نقول، فنزلت الآية (5) .
ورواه أيضا مسروق، عن عائشة رضوان الله عليها (6) . ورواه عبيد الله (7) عن أبي هريرة عن عائشة (8) ، وفيه زيادات، والمعنى واحد، وعلمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقولوا لهم:
(1) ينظر: الأم (5/ 297) .
حَمَل المؤلف ـ رحمه الله ـ عدم قول الشافعي بوجوب الاستئناف للمظاهر إن وطئ في ليل الصوم، على أنه يقول بجواز ذلك، وهذا فيه تسامح؛ لأن الشافعي ـ رحمه الله ـ لم يقل بجواز ذلك، وإنما قال: من وطئ في ليل الصيام لم يلزمه الاستئناف، وقد نص أئمة المذهب على تحريمه، لكن لم يلزموا فاعله أن يستأنف الصيام، قال الشيرازي في المهذب (2/ 149) :"وإن جامع في الليل قبل أن يكفر أثم، لأنه جامع قبل التكفير، ولا يبطل التتابع".
(2) سورة المجادلة (8) .
(3) هو: عطاء بن السائب بن مالك الثقفي، أبو مالك الكوفي، قال ابن سعد: كان ثقة وقد روى عنه المتقدمون، وقد كان تغير حفظه بآخره واختلط، توفي سنة 137 هـ ينظر: طبقات ابن سعد (6/ 525) وتهذيب التهذيب (4/ 126) .
(4) هو ابن العاص، تقدم.
(5) أخرجه أحمد (2/ 170) عن حماد به، قال في مجمع الزوائد (7/ 260) :"إسناده جيد".
(6) أخرجه مسلم [4/ 1362 كتاب السلام] عن مسروق، به.
(7) هو: عبيد الله بن عتبة، تقدم.
(8) لم أجد هذا الطريق عن عائشة، والذي وقفت عليه، أنه ورد عن عائشة رضي الله عنها من أربعة طرق:
الأول: من طريق عروة، عن عائشة، أخرجه البخاري [1281 كتاب الأدب، باب الرفق في الأمر كله] ومسلم [4/ 1261 كتاب السلام] .
الثاني: من طريق عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة، أخرجه البخاري [1282 كتاب الأدب، باب لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - فاحشا ولا متفحشا] .
الثالث: من طريق أبي صالح عن أبيه عن عائشة، أخرجه ابن خزيمة [1/ 288 أبواب الآذان والإقامة، باب ذكر حسد اليهود المؤمنين على التأمين] .
الرابع: من طريق مسروق عن عائشة، أخرجه مسلم [4/ 1362 كتاب السلام] .