قال الله عز وعلا: {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ} الآية إلى قوله سبحانه: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (1) .
هذه الآية قد تكلم فيها القاضي إسماعيل في كتاب الخمس (2) بما لا يحتاج إلى زيادة فيه، وكتاب الخمس هو من أحكام القرآن.
وهذه الآية نزلت في أموال بني النضير، ليضعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث شاء، ففعل فيها ما أراه الله عز وجل (3) .
قال الله تبارك وتعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (4) .
هذه الآية نزلت في الغنائم، وعمت سائر الأشياء، فدخل فيها ما أَمَرَ به وسنه صلى الله عليه وسلم وما نهى عنه بالسنة (5) ، فلا يجوز مخالفته - عليه السلام - في شيء من أوامره، إلا ما خُصَّ عليه من الخبر، مما لم يتفق المسلمون على إيجابه لا بكتاب ولا سنة، فإنه - صلى الله عليه وسلم - قال في هذا الجنس الذي هذا صفته: ? فخذوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فانتهوا? (6) فلذلك قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه: ? لعن الله الواشمات والمُوتَشِمات (7) المغيرات خلق الله? فبلغ ذلك امرأة من بني أسد فأتته فقالت: ما حديث بلغني أنك لعنت الواشمات والمتنصمات (8) ، وغير ذلك المغيرات خلق الله؟ قال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو في كتاب الله، فقالت المرأة: لقد قرأتُ ما بين لوحي المصحف ـ وكانت تقرأ وكان يقال لها: أم يعقوب (9) ـ فما وجَدتُه، فقال: والله لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، ثم قرأ: {مَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} فقالت المرأة: أني أرى شيئا من هذا الآن على امرأتك، قال: فاذهبي فانظرني: فدخلت على امرأة عبد الله فلم تر شيئا من ذلك (10) .
(1) سورة الحشر (6) .
(2) كتاب مفقود للقاضي إسماعيل بن إسحاق.
(3) تكلم الطبري في تفسيره (12/ 34) بمعنى كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ هنا، وأخرج بعض الآثار عن السلف تدل عليه.
(4) سورة الحشر (7) .
(5) اختار ابن العربي ـ أيضا ـ في أحكام القرآن (4/ 215) الأخذ بعموم الآية، وعلل ذلك: بأنه لعمومه تناول الكل.
(6) أخرجه أحمد (2/ 495) وابن ماجه [1/ 5 المقدمة، باب اتباع الرسول] والبيهقي [7/ 103 كتاب النكاح، باب قوله تعالى: وأنكحوا الأيامى] من طريق أبي صالح عن أبي هريرة، به.
وأخرجه البخاري [1527 كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] من طريق الأعرج عن أبي هريرة، بنحوه.
وهو عند مسلم [4/ 1460 كتاب الفضائل] عن أبي هريرة، من هذين الطريقين، بنحوه.
(7) قال في غريب الحديث (5/ 165) :"الوَشم أن يُغرز الجِلد بإبْرة، ثم يُحشى بكحل أو نِيل فَيَزْرق أثره أو يَخْضر، وقد وَشَمت تَشِم وَشما، فهي وَاشِمة، والمُسْتَوشمة والمُوْتَشمة التي يفعل بها ذلك".
(8) كذا في الأصل، وهو تحريف، وصوابه: المتنمصات، كما في المصادر التي أخرجت الحديث
قال في غريب الحديث (4/ 105) :"النَّامِصة التي تَنتِف الشعر من وجهها، والمُتَنَمِّصة التي تأمر من يفعل بها ذلك، وبعضهم يرويه المُنْتَمِصة بتقديم النون على التاء، ومنه قيل للمِنْقاش مِنْماص".
(9) قال ابن حجر في فتح الباري (8/ 499) :"لا يعرف اسمها، وقد أدركها عبد الرحمن بن عابس"، وذكر في الغوامض والمبهمات (2/ 483) أنها أم يعقوب الأسدية، وظاهر الرواية التي ذكرها المؤلف تدل على هذا.
(10) أخرجه البخاري [1049 كتاب التفسير، سورة الحشر، باب وما آتاكم الرسول فخذوه] ومسلم [3/ 1337 كتاب اللباس والزينة] بنحوه.