وجاء في التفسير أيضًا أن المشركين قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم: اطرد عنك سقاط الناس ومَوَالِيَهُمْ وهؤلاء الذين رائحتُهُم رَائِحَة الضأنِ، وذلك أنهم كانوا يلبسون الصوف، فَقالوا: اطرد هؤلاء إن كنت أرْسِلْتَ إلينا حتى تجلس إلينا ونسمع منك فَهَمَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يفعل في ذلك ما يستدعي به إسْلَامهم، فتوَعدُهُ اللَّه - عز وجل - فيه أشد الوعيد (1) وَعَصَمَهُ الله من أن يُمْضِيَ ما عَزَمَ عليه، فقال: (وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا) .
أي إن فعلت ما أرادُوا لاتخذوك خليلًا.
(وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا(74)
وحُكِيت (تركُن) بضم الكاف.
يقال رَكَن يركَن، وركَن يركُنُ، فتوعده اللَّه في ذلك أشد التوعد، فقال:
(إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا(75)
والمعنى لو رَكنْتَ إليهم في ذلك الشّيءَ القليلَ إذن لأذقناكَ ضِعْفَ
الحياة وضِعْفَ المماتِ، أي ضِعْفَ عذاب الحياة وضعفَ عَذابِ المماتِ
لأنك أنت نبي وُيضَاعَفُ لك العذاب على عذاب غيركِ لو جنى هذِه الجناية
كما قال: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ) لأن درجة النبِيِ وَدَرَجَةَ آله الذين وَصَفَهُم اللهُ فَوقَ دَرَجَةِ غيرهم.
وقوله: (وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا(76)
كانوا قد كادوا أن يخرجوا النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة فأعلمهم الله أنهم لو فعلوا ذلك لم يَلْبَثُوا بَعدَه إلا قلِيلًا.
وقيل (لَيَسْتَفِزُّونَكَ) ، أي لَيقْتُلونَكَ.
(1) قال القاضي عياض ما نصه:
قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي - وَفَّقَهُ اللَّهُ - يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْمُجَاهِدِ نَفْسَهُ، الرَّائِضِ بِزِمَامِ الشَّرِيعَةِ خُلُقَهُ أَنْ يَتَأَدَّبَ بِأَدَبِ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، وَمُعَاطَاتِهِ، وَمُحَاوَرَاتِهِ، فَهُوَ عُنْصُرُ الْمَعَارِفِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَرَوْضَةُ الْآدَابِ الدِّينِيَّةِ، وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَلِيَتَأَمَّلَ هَذِهِ الْمُلَاطَفَةَ الْعَجِيبَةَ فِي السُّؤَالِ مِنْ رَبِّ الْأَرْبَابِ، الْمُنْعِمِ عَلَى الْكُلِّ، الْمُسْتَغْنِي عَنِ الْجَمِيعِ، وَيَسْتَشِيرَ مَا فِيهَا مِنَ الْفَوَائِدِ، وَكَيْفَ ابْتَدَأَ بِالْإِكْرَامِ قَبْلَ الْعَتْبِ، وَآنَسَ بِالْعَفْوِ قَبْلَ ذِكْرِ الذَّنْبِ إِنْ كَانَ ثَمَّ ذَنْبٌ. وَقَالَ - تَعَالَى: وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [الْإِسْرَاءِ: 74] الْآيَةَ.
قَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: عَاتَبَ اللَّهُ - تَعَالَى - الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - بَعْدَ الزَّلَّاتِ، وَعَاتَبَ نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ وُقُوعِهِ، لِيَكُونَ بِذَلِكَ أَشَدَّ انْتِهَاءً، وَمُحَافَظَةً لِشَرَائِطِ الْمَحَبَّةِ، وَهَذِهِ غَايَةُ الْعِنَايَةِ. ثُمَّ انْظُرْ كَيْفَ بَدَأَ بِثَبَاتِهِ، وَسَلَامَتِهِ قَبْلَ ذِكْرِ مَا عَتَبَهُ عَلَيْهِ، وَخِيفَ أَنْ يَرْكَنَ إِلَيْهِ، فَفِي أَثْنَاءِ عَتْبِهِ بَرَاءَتُهُ، وَفِي طَيِّ تَخْوِيفِهِ تَأْمِينُهُ وَكَرَامَتُهُ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ [الْأَنْعَامِ: 33] الْآيَةَ. اهـ (الشفا بتعريف حقوق المصطفى. ص: 130 - 131) .
وقال الثعالبي:
* ت *: وجزى اللَّه ابنَ الأنباريِّ خيرًا، وإن تنزيه سائر الأنبياء لواجبٌ، فكيف بسيِّد ولد آدم صلى الله عليه وعليهم أجمعين.
قال أبو الفَضْل عياضٌ في «الشِّفَا» : قوله تعالى: {وَلَوْلاَ أَن ثبتناك لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} : قال بعض المتكلِّمين: عاتب اللَّه تعالى نبيَّنا عليه السلام قبل وقوع ما يوجبُ العتاب؛ ليكون بذلك أشدَّ انتهاءً ومحافظةً لشرائط المحبَّة، وهذه غاية العناية، ثم انظُرْ كيف بدأ بثباته وسلامته قبل ذِكْر ما عاتبه عليه، وخيف أنْ يركن إِليه، وفي أثناء عتبه بَرَاءَتُه، وفي طَيِّ تخويفه تأمينُه.
قال عياضٌ رحمه الله: ويجبُ على المؤمن المجاهِدِ نفسَهُ الرائِضِ بزمامِ الشريعةِ خُلُقَهُ؛ أن يتأدَّب بآداب القرآن في قوله وفعله ومعاطاته ومحاوراته فهو عنصر المعارف الحقيقة، وروضَةُ الآداب الدينية والدنيوية انتهى.
قال * ع *: وهذا الهمُّ من النبيِّ صلى الله عليه وسلم إِنما كان خَطْرة مما لا يمكِنُ دفعه، ولذلك قيل: {كِدتَّ} وهي تعطي أنه لم يقعْ ركونٌ، ثم قيل: {شَيْئًا قَلِيلًا} ؛ إِذ كانت المقاربة التي تضمنتها {كِدتَّ} قليلةً خطرةً لم تتأكَّد في النفْس.
وقوله: {إِذًا لأذقناك. . .} الآية: يبطل أيضًا ما ذهب إليه ابنُ الأنباريِّ.
* ت *: وما ذكره * ع * رحمه الله تعالى من البطلان لا يصحُّ، وما قدَّمناه عن عياضٍ حسنٌ؛ فتأمَّله. اهـ (الجواهر الحسان. 2/ 353 - 354)