العام الهجري:744العام الميلادي:1343تفاصيل الحدث:
اتفق بظاهر القاهرة أمر اعتني بضبطه، وهو أنه كان بناحية اللوق كوم يعرف بكوم الزل يأوي إليه أهل الفسوق من أوباش العامة، فأخذ بعضهم منه موضعًا ليبني له فيه بيتًا، فشرع في نقل التراب منه، فبينا هو يحفر إذ ظهر له إناء فخار فيه مكاتيب دار كانت في هذا البقعة، وتدل على أنه كان به أيضًا مسجد، ورأى أثار البنيان، فأشاع بعض شياطين العامة - وكان يقال له شعيب - أنه رأى في نومه أن هذا البنيان على قبر بعض الصحابة رضي الله عنهم، وأن من كراماته أنه يقيم المقعد ويرد بصر الأعمى، وصار يصيح ويهلل ويظهر اختلال عقله، فاجتمعت عليه الغوغاء، وأكثروا من الصياح، وتناولوا تلك الأرض بالحفر حتى نزلوا فيها نحو قامتين، فإذا مسجد له محراب، فزاد نشاطهم، وفرحوا فرحًا كبيرًا، وباتوا في ذكر وتسبيح، وأصبحوا وجمعهم نحو الألف إنسان، فشالوا ذلك الكوم، وساعدهم النساء، حتى إن المرأة كانت تشيل التراب في مقنعها، وأتاهم الناس من كل أوب، ورفعوا معهم التراب في أقبيتهم وعمائمهم، وألقوه في الكيمان، بحيث تهيأ لهم في يوم واحد ما لا تفي مدة شهر بنقله، وحفر شعيب حفرة كبيرة، وزعم أنها موضع الصحابي، فخرج إليه أهل القاهرة ومصر أفواجًا، وركب إليه نساء الأمراء والأعيان، فيأخذهن شعيب وينزلهن تلك الحفرة لزيارتها، وما منهن إلا من تدفع الدنانير والدراهم، وأشاع شعيب أنه أقام الزمنى، وعافى المرضى، ورد أبصار العميان، في هذه الحفرة، وصار يأخذ جماعة ممن يظهر أنه من أهل هذه العاهات، وينزل بهم إلى الحفرة، ثم يخرجهم وهم يسبحون الله أكبر الله أكبر، ويزعمون أنهم قد زال ما كان بهم، فافتتن الناس لتلك الحفرة، ونزلت أم السلطان لزيارتها، ولم تبق أمرأة مشهورة حتى أتتها وصار للناس هناك مجتمع عظيم، بحيث يسرج به كل ليلة نحو مائتي قنديل، ومن الشموع الموكبية شيء كثير، فقامت القضاة في ذلك مع الأمير أرغون العلائي والأمير الحاج آل ملك النائب، وقبحوا هذا الفعل، وخوفوا عاقبته، حتى رسم لوالي القاهرة أن يتوجه إلى مكان الحفره ويكشف أمرها، فإن كان فيها مقبور يحمل إلى مقابر المسلمين ويدفن به سرًا، ثم يعفى الموضع، فلما مضى إليه ثارت به العامة تريد رجمه، وصاحوا عليه بالإنكار الشنيع حتى رماهم الجند بالنشاب، فتفرفوا، وهرب شعيب ورفيقه العجوي، ومازال الحفارون يعملون في ذلك المكان إلى أن انتهوا فيه إلى سراب حمام، ولم يجدوا هناك قبرًا ولا مقبورًا، فطموه بالتراب، وانصرفوا، وقد انحلت عزائم الناس عنه، بعدما فتنوا به، وضلوا ضلالًا بعيدًا، وجمع شعيب ورفيقه كثيرًا من المال والثياب شيئًا طائلًا.
(تنبيه) : التاريخ الميلادي تقريبي نظرًا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانًا