أنه تمضمض واستنثر ولم يخل بهما صلى الله عليه وسلم مرة واحدة وفعله هذا بيان للأمر في قوله تعالى"فاغسلوا وجوهكم"وقد تقرر في الأصول أن الفعل الذي اقترن به أمر قولي إنه للوجوب فقد بين لنا رسول الهدي صلى الله عليه وسلم ما نزل إلينا فداوم على المضمضة والاستنشاق ، ولم يحفظ أنه أخل بهما مرةَّ واحدة .
ومن الأدلة أيضًا: حديث عائشة عند البيهقي مرفوعًا بلفظ"المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لابد منه لكنه حديث ضعيف ، فهذه الأدلة تدل دلالة صريحة على وجوب هذه الأمور ، فحيث صح بها الدليل قلنا بها ، فإن قلت:- أولست نفيت وجوب البسملة بحديث"توضأ كما أمرك الله"والمراد به ما ورد في آية المائدة وليس فيها البسملة ، فكذلك يقال في المضمضة والاستنشاق ، فإنها ليست مما أمرنا الله به في آية الوضوء فأقول:- بلى هي مما أمرنا الله به في آية الوضوء لكن لا تصريحًا وإنما تضمينًا فإن الأمر بغسل الوجه أمر بهما لأنهما داخلان في حده ولذلك لما ورد البيان النبوي منه صلى الله عليه وسلم اتضح أنهما مما أمرنا به في الآية لا تصريحًا ولكن تضمينًا وأما البسملة ، فلم يذكرها من علم الناس صفة الوضوء ، كعثمان وعبد الله بن زيد وعلى بن أبي طالب وغيرهم أما المضمضة والاستنشاق فإن جميع الواصفين لوضوئه صلى الله عليه وسلم ذكروها وقد أمر بها أيضًا هو صلى الله عليه وسلم فاتفقت دلالة القول ودلالة الفعل على وجوبها فتكون من الوضوء الذي أمرنا الله به وأمرنا به رسولنا صلى الله عليه وسلم وداوم عليه مداومة الواجب ، فالصواب فإنه لا يصح الوضوء إلا بها فمن أخل بها فإنه لم يأت بالحقيقة الشرعية لكن كما تقدم من أنه يجوز تأخيرها عن غسل الوجه ، ويجوز تأخيرها عن غسل الذراعين لثبوت الأدلة بذلك ، وبهذا نعمل بالأدلة الصحيحة كلها وهذا هو الواجب ما أمكن والله أعلم."