الأول: النسخ، فإن الاتفاق على صرف الأول عن ظاهره، فإنه لا يصح في الصلاة الدين؛ لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - وهو راوي الحديث الأول، قال: (( لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ) ) (1) ، وعنه - رضي الله عنه: (( لا يصوم أحد عن أحد ويطعم عنه ) ) (2) ، وفتوى الراوي على خلاف مرويه بمنْزلة روايته للناسخ, ونسخ الحكم يدل على إخراج المناط عن الاعتبار؛ ولذا صرحوا بأن من شرط القياس أن لا يكون حكم الأصل منسوخًا؛ لأن التعدية بالجامع, ونسخ الحكم يستلزم إبطال اعتباره؛ إذ لو كان معتبرًا لاستمر ترتيب الحكم على وفقه.
وكذلك روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه (( كان إذا سئل عن الرجل يموت وعليه صوم من رمضان أو نذر يقول: لا يصوم أحد عن أحد، ولكن تصدقوا عنه من ماله للصوم لكل يوم مسكينًا ) ) (3) .
وعن عمرة بنت عبد الرحمن قلت لعائشة رضي الله عنها: (( إن أمي توفيت وعليها صيام رمضان أيصلح أن أقضي عنها ؟ فقالت: لا ؛ ولكن تصدقي عنها مكان كل يوم
على مسكين خير من صيامك )) (4) .
وذكر مالك - رضي الله عنه - بلاغًا: (( ولم أسمع عن أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - ولا من التابعين - رضي الله عنهم - ولا بالمدينة أن أحدًا منهم أمر أحدًا أن يصوم عن أحد ولا يصلي عن أحد ) ) (5) . قال ابن الهمام (6) : (( وهذا مما يؤيد النسخ, وأنه الأمر الذي استقر الشرع عليه آخرًا ) ).
(1) في سنن النسائي 2: 175، وإسناده صحيح كما في إعلاء السنن 9: 155.
(2) في سنن البيهقي الكبير 4: 256، وغيره.
(3) في سنن البيهقي الكبير 4: 256، ومصنف عبد الرزاق 9: 61، والموطأ 1: 303، وغيرها، ورجاله رجال الصحيح إلا عبد الله، فإنه من رجال مسلم والأربعة وهو مختلف فيه كما في إعلاء السنن1: 155.
(4) روه الطحاوي وسنده صحيح كما في إعلاء السنن 9: 155 عن الجوهر النقي 1: 210.
(5) نصب الراية 3: 30، وغيره.
(6) في فتح القدير 2: 359.