المبحث الثامن
أن يكون النذر مضافًا إلى وقت مبهم؛ بأن قال: لله علي أن أصوم شهرًا ولا نية له, فحكمه أنه واجب على التراخي، فيجب في جزء من عمره غير معين وإليه خيار التعيين, ففي أي وقت شرع فيه تعين ذلك الوقت للوجوب, وإن لم يشرع يتضيق الوجوب في آخر عمره إذا بقي من آخر عمره قدر ما يمكنه الأداء فيه بغالب ظنّه, حتى لو مات قبل الأداء يأثم بتركه, وهو الصحيح; لأن الأمر بالفعل مطلق عن الوقت, فلا يجوز تقييده إلا بدليل, فكذلك النذر; لأن النصوص المقتضية لوجوب الوفاء بالنذر مطلقة عن الوقت, فلا يجوز تقييدها إلا بدليل, وكذا سبب الوجوب وهو النذر وجد مطلقًا عن الوقت, والحكم يثبت على وفق السبب, فيجب عليه أن يصوم شهرًا من عمره غير معيّن.
وخيار التعيين إليه إلى أن يغلب على ظنّه الفوت لو لم يصم فيضيق الوقت حينئذ. وكذا حكم الاعتكاف المضاف إلى وقت مبهم, بأن قال: لله علي أن أعتكف شهرًا , ولا نية له. ولو نوى شهرًا معينًا صحت نيته ; لأنه نوى ما يحتمله لفظه , وفيه تشديد عليه.
وفي النذر المضاف إلى وقت مبهم إذا عين شهرًا للصوم فهو بالخيار: إن شاء تابع, وإن شاء فرق , بخلاف الاعتكاف إذا عيّن شهرًا للاعتكاف فلا بدّ وأن يعتكف متتابعًا في النهار والليالي جميعًا; لأن الإيجاب في النوعين حصل مطلقًا عن صفة التتابع, إلا أن في ذات الاعتكاف ما يوجب التتابع, وهو كونه لبثًا على الدوام فكان مبناه على الاتصال, والليالي والنُّهر قابلة لذلك, فلا بد من التتابع، ومبنى الصوم ليس على التتابع بل على
التفريق لما بين كل يومين ما لا يصلح لصوم وهو الليل, فبقي له الخيار (1) .
(1) بدائع الصنائع 5: 94-95، وغيره.