تمهيد:
اختلفت الكتب في ذكر ترجمة مسائل هذا الباب، فذكره الكرخي والقدوري وصاحب (( الخانية ) )و (( التحفة ) )و (( الدر المختار ) )وغيرهم باسم الحظر والإباحة, وذُكِر في (( الجامع الصغير ) )و (( الهداية ) )و (( الكنْز ) )و (( الوقاية ) )، و (( الفتاوى الهندية ) )وغيرها باسم الكراهية, وذُكِر في (( المبسوط ) )و (( البدائع ) )و (( الذخيرة ) )و (( طلبة الطلبة ) )وغيرها باسم الاستحسان؛ لأن مسائل هذا الكتاب من أجناس مختلفة فلقِّب بذلك؛ لما وجد في عامّة مسائله من الكراهية والحظر والإباحة والاستحسان. وترجم بعضهم بكتاب الزهد والورع؛ لأن فيه كثيرًا من المسائل أطلقها الشرع, والزهد والورع تركها (1) ، قال السَّرَخْسي (2) : (( لو سمي كتاب الزهد والورع كان مستقيما؛ لأن فيه بيان لغض البصر وما يحل ويحرم من المس والنظر وهذا هو الزهد والورع ) ).
فالاستحسان يذكر ويراد به كون الشيء على صفة الحسن ويذكر ويراد به فعل المستحسن وهو رؤية الشيء حسنا يقال استحسنت كذا أي رأيته حسنًا، فاحتمل تخصيص هذا الكتاب بالتسمية بالاستحسان لاختصاص عامة ما أورد فيه من الأحكام بحسن ليس في غيرها ولكونها على وجه يستحسنها العقل والشرع.
وأما التسمية بالحظر والإباحة فتسمية طابقت معناها ووافقت مقتضاها لاختصاصه ببيان جملة من المحظورات والمباحات.
وكذا التسمية بالكراهة؛ لأن الغالب فيه بيان المحرمات وكل محرم مكروه في الشرع؛ لأن الكراهة ضد المحبة والرضا قال - جل جلاله: { وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} (3) ، والشرع لا يحب الحرام ولا يرضى به (4) .
المبحث الأول
تعريف الحظر والإباحة
أولًا: لغة:
(1) ينظر: الاختيار 5: 413، والتبيين 6: 11، ورد المحتار 6: 336، وغيرهما.
(2) في المبسوط 10: 145.
(3) البقرة: من الآية216.
(4) ينظر: بدائع الصنائع 5: 118.