مكان لا يصحّ الدخول فيه بغير إحرام، وهو الحرم، والحرم مشتمل على مكّة, ومكة على المسجد الحرام, والمسجد الحرام على الكعبة، فالناذر إن سمّى مكانًا منها، وأوجب شيئًا من الأفعال كالمشي والخروج والسفر والركوب والذهاب والإياب، فلا شيء عليه بغير لفظ: المشي، وبغير لفظ: بيت الله أو الكعبة أو مكة؛ حتى لو قال: علي الخروج أو الذهاب إلى بيت الله، أو المشي إلى الحرم أو المسجد الحرام أو الصفا والمروة (1) ؛ لا شيء عليه؛ لأن التزام هذه الأفعال بهذه العبارات غير متعارف؛ لأن الناس لا يطلقون هذا اللفظ عادة لإرادة التزام الحج والعمرة بخلاف ما تقدم من الألفاظ الثلاثة، ولا يمكن إيجابها باعتبار حقيقة اللفظ؛ لأنها ليست بقربة مقصودة (2) ، ; ثم المسجد الحرام بمَنْزلة الفناء للكعبة, والحرم بمَنْزلة الفناء لمكة فلا يجعل ذكر الفناء كذكر الأصل في النذر بل يجعل هذا بمنْزلة ما لو قال: لله علي المشي إلى الصفا أو إلى المروة أو إلى مقام إبراهيم - عليه السلام - (3) .
(1) هذا هو قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وقال أبو يوسف ومحمد والجمهور: يلزمه حجة أو عمرة؛ لاشتمال الحرم على البيت، ومكة ، فكأنه قال: علي المشي إلى بيت الله ومكة.
وقد حقق ابن الهمام في الفتح 4: 453: أن هذا الاختلاف إنما يرجع إلى اختلاف العرف؛ لأن العرف هو مدار الأحكام في الأيمان والنذور، فكلما كان العرف شائعًا بإرادة الحج أو العمرة بالمشي إلى الحرم أو إلى المسجد الحرام صح النذر بهذه الألفاظ، وعليه يحمل قول الجمهور، وأما إذا لم يتعارف ذلك في زمان أو مكان لم يصح النذر بها، وهو محمل قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -. ينظر: تكملة فتح الملهم 2: 171.
(2) درر الحكام 2: 55، وغيره.
(3) المبسوط 4: 132، وغيره.