فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 575

قد تكون في العلْميات «كالبدع الاعتقادية» وقد تكون في العملِيات، وهؤلاء مع قولهم وفعلهم واعتقادهم المخالف للشريعة إلاّ أن قصدهم يعذرهم في نفس الأمر، ولهذا نهى الأئمة عن تكفير المتأوّلين، وقد كتب ابن حزم كتابًا في هذا ذكره في كتابه"إحكام الأحكام"، وهذا مذهب أهل السنة خلافًا للخوارج والمعتزلة فإنهم يُكفّرون المخالفين، أما أهل السنة فمع اعتقادهم أن بعض أقوال المخالفين هي كفرٌ بعينها ولكن يمتنعون عن تكفير كل قائل لها، إذ هناك فرق بين التكفير بالنوع وبين تكفير العين، وهذا يعرفه صغار طلبة العلم.

قال ابن تيمية رحمه الله تعالى:"الأقوال التي يكفر قائلها، قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده، ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفرُ لهُ خطاياه كائنًا من كان، سواءً كان في المسائل النظرية، أو العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وجماهير أئمة الإسلام"إلى أن قال:"كان الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يُكفرّ الجهمية المنكرين لأسماء الله وصفاته، لأن مناقضة أقوالهم لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهرةٌ بينة ... لكن ما كان يُكفّرُ أعيانهم، فإن الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقول به، والذي يُعاقب مخالفه أعظمُ من الذي يدعو فقط ... ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية، ويدعون الناس إلى ذلك ويُعاقبونهم، ويُكفرون من لم يُجبهم، ومع هذا فالإمام أحمد -رحمه الله تعالى- ترحمّ عليهم، واستغفرَ لهم، لعلمه بأنهم لم يُبَيَّنُ لهم أنهم مكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولّوا فأخطئوا، وقلّدوا من قال لهم ذلك ...".

فهذا هو شأن الأئمة مع المتأولين، فقصد المتأولين إصابة الحق، وعدم قصدهم تكذيب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعدم جحدهم ما جاء به، مانع من موانع تكفير المُعيّن منهم مع قولهم بأقوالٍ مُكفّرة.

أما حكام زماننا فقد تبيّن لكل ذي بصيرة ونظر أنهم قصدوا مخالفة الشريعة، بل أعلنوا في دساتيرهم وقوانينهم: أن السيادة للشعب، والسيادة هي سلطةٌ عليا مطلقة لها الحق في تقييم الأشياء والأفعال، وهذا يعدل في ديننا اسم الرب: السيد والصمد والحكم، وهو عين الكفر، وعين مضاهاة حكم الله، وعين الإعراض والإباء، فكيف ساوى هؤلاء العُميان والجهلة بين رجلٌ أعلن أن الله هو صاحبُ الأمر والنهي، ولكنه أخطأ في فهم الأمر والنهي، وبين رجل رفض أن يكون الأمرُ والنهي لله تعالى، بل جعله لنفسه؟ فهل هذا كهذا يا عباد الله؟ نعوذ بالله من الخذلان.

ولذلك مما أجمع عليه علماؤنا أن التشريع كفر كما قال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في كتابه الاعتصام الجزء الأول صـ 61 قال:"وأجمعوا كذلك أن تبديل الدين شركٌ وكفر" [ولا شكّ أن تحليل الحرام وتحريم الحلال تبديلٌ للدين، سواء نسب فعله إلى الدين أو لم ينسبه]

وقال ابن تيمية -رحمه الله تعالى-"والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرّم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه، كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت