في حكم هذه المسألة، ولا يكون هذا متابعة منه للتوراة بل تصويبًا لما ورد فيها في ذلك، وأنّ هذا ممّا أنزله الله فيها ليس ممّا بدّلوه».
وفيما ذكرناه في هذه الشبهة كفاية لمن تجرد للحق، وننتقل الآن إلى الشبهة التي تليها والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
الشبهة الثانية
التكفير بالتحاكم إلى هيئة الأمم
قال المؤلف[الرد على هذه الشبهة من أوجه:
أ/ تصور حال هيئة الأمم المتحدة، فإن الحكم على الشيء فرع عن تصوره: فهي هيئة ذات أنظمة وقرارات وعهود ومواثيق انضمت إليها أكثر دول العالم، ومنها الدولة السعودية - حرسها الله ورعاها -، وقد نشأت إبان الحرب العالمية الثانية، والهدف الرئيس من إنشائها تقريب وجهات النظر بين الأمم، وتضييق الثغرات التي قد تنشأ بين الدول، والتي من شأنها إن استمرت أن تشكل خطرًا على السلم والأمن الدوليين إلى جانب تحقيق السلام، ومنع اللجوء إلى استخدام القوة كحل للمشكلات العالمية].
أقول: إن العهود المواثيق مع الكفار إذا كانت موافقة للشرع لا بأس بها فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر حلف الفضول فمدحه وقال: (لو دُعيت إليه في الإسلام لأجبتُ) ، والنبي صلى الله عليه وسلم عاهد قريشًا، وعاهد اليهود، وهذا أمرٌ نُقرّه ولا ننكره، ولكن مدح النبي صلى الله عليه وسلم حلف الفضول لأنه كان حلفًا لنصرة المظلوم وذلك أمر يقرّه الشرع بل يأمر به، كذلك العهود التي عاهد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود وغيرهم كانت عهودًا موافقة لشرع الله، حتى صلح الحديبية الذي ظهر لبعض الصحابة أن فيه ضيمًا وتنازلًا كان بأمر الله، ولكن فيه أمور لا يصح لغير النبي صلى الله عليه وسلم أن يفعلها كما جاء في صلح الحديبية أن من جاءكم منا رددتموه إلينا ومن جاءنا منكم لم نردّه إليكم، هذا خاص به صلى الله عليه وسلم لأن الله أخبره أنه سيجعل للمؤمنين فرجًا ومخرجًا.
قال ابن العربي رحمه الله (أحكام القرآن 4/ 1789) :"فأما عقده على أن يرد من أسلم إليهم فلا يجوز لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما جوزه الله له لما علم في ذلك من الحكمة، وقضى فيه من المصلحة، وأظهر فيه بعد ذلك من حسن العاقبة، وحميد الأثر في الإسلام ما حمل الكفار على الرضا بإسقاطه، والشفاعة في حطه".اهـ