فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 575

من الأئمة عن إطلاق القول: بأنّا لا نكفر أحدًا بذنب، بل يقال: لا نكفرهم بكل ذنب كما تفعله الخوارج، وفرق بين النفي العام ونفي العموم، والواجب إنما هو نفي العموم مناقضةً لقول الخوارج الذين يكفرون بكل ذنب».

قال الشيخ أبو قتادة الفلسطيني حفظه الله تعالى معقبًا على هذا القول: «وهذا بيّن واضح، فإنّ مجرد الاستحلال هو كفر وردة، لأن فيه الرد على الله تعالى، فالاستحلال بذاته مُكفِّرٌ ومخرجٌ من الملة، وهو أحد أنواع الكفر، ولكن الكفر أنواعٌ أخرى معروفةٌ لطلبة العلم، منها الاستهزاء، والجحود، والإعراض، والعناد، والإباء، والكفر يكون باللسان ويكون بالقلب ويكون بالعمل كما هو قول السلف وعامة الفقهاء ... ومن الأمثلة الواضحة في ذلك ساب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فإن أهل السنة يكفرونه سواءٌ استحل أو لم يستحله، سواءٌ كان مصدقًا لنبوته أم مكذبًا لها، إذ مجرد السب هو كفرٌ أكبر مخرجٌ من الملة ... هذا وقد تبيّن أن تبديل الشريعة وسن القوانين والتشريعات المخالفة المعاندة لحكم الله تعالى إما بوصفها أو بأصلها، كإباحة الخمر والزنا وتحريم الجهاد وتعدد الزوجات هذه بأصلها، أو بوصف بعض الحدود وذلك بتقليل العقوبات أو بزيادتها، فهذا كفرٌ أكبر سواء استحلّ هذا الفعل أو لم يستحله، بل إنّ ما فعله هو عين تحليل الحرام المجمع عليه [أي المجمع على كفر فاعله] وهو تبديلٌ لدين الله تعالى، وقد قال ابن تيمية أن التبديل كفرٌ وردةٌ باتفاق والحمد لله رب العالمين» .

الشبهة الثالثة:

وهي"لماذا لم يكفر الإمام أحمد رحمه الله تعالى المأمون الذي يقول بخلق القرآن"؟

توجّهتُ بهذا السؤال إلى الشيخ عمر بن محمود أبو عمر حفظه الله تعالى، فأجاب مشكورًا بما يلي: «مِنْ شُبَه بعضهم في عدم تكفير الحكام المبدلين لشريعة الرحمن ووجوب الخروج عليهم وعدم جواز عقد البيعة لهم قولهم: أن الأئمة وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل لم يكفّروا المأمون مع قوله بخلق القرآن ونفي صفات الباري ولم يخرجوا عليه.

نقول وبالله التوفيق: إن هذه الشبهة لا تنطلي إلاّ على الجهلة وغمار الناس، وقائلها إما أنه جاهل أو أنه متلاعب بدين الله تعالى، أمّا من كان عارفًا بحالنا، عالمًا بأي شيء كفر حكام اليوم، وهو عالمٌ كذلك بمذهب أئمة السلف مع المتأولين علم أنه لا يجوز المقارنة بحالٍ من الأحوال، إذ هناك فرقٌ كبيرٌ بين من أعرض عن الشريعة ونبذها عن قصد ونية، وبين المتأول الذي قصد الحق وأخطأه، فالمأمون ثم المعتصم لقولهم بخلق القرآن، ومن كان على طريقتهم من الجهمية وهم الذين ينفون صفات الله تعالى هؤلاء متأولون، وللمتأولين في ديننا وفي مذهب أهل السنة قول وحكم هو كالإجماع عند الأوائل وإن حصل فيه الخلاف عند المتأخرين.

التأويل: هو اعتقاد غير الدليل دليلًا، وصورته: أن يقول المرء قولًا أو يعتقد أمرًا أو يفعل فعلًا وهو يظن أن هذا القول وهذا الفعل وهذا الاعتقاد هو الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في حقيقة الأمر وفي نفس الأمر ليس كذلك، فهو رجل يريد الحق ولا يُدركه، وهذا حال أهل البدع في أمّتنا فإِنهم يريدون الحق ولكنهم أخطأوه، والبدع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت