2 -أنّ الدستور لم ينصّ على أنّ أحكام الشريعة المصدر الرئيسي، وإنّما نصّ على أنّ مبادئ الشريعة المصدر الرئيسي، وبينهما فرق: أمّا الأحكام فمعروفة وهي الأحكام التفصيليّة في كلّ مسألة، وأمّا المبادئ فهي القواعد العامّة كتحقيق العدل وأنّ الأصل براءة الذمّة ونحو ذلك ممّا يدّعي سدنة القوانين الوضعيّة أنّها تحقّق هذه المبادئ. وبهذا تعلم أنّ هذا النصّ الدستوري لا يترتّب عليه أيّ إلزام للحكومات بالحكم بأحكام الشريعة.
3 -أنّه لو افترضنا أنّ هذا النصّ الكفري يترتّب عليه التزام الحكم بالشريعة، فإنّ هناك نصًّا دستوريًّا آخر يناقضه تمامًا، ويعبّر عن الواقع القائم، وهو النصّ على أنّ (الحكم في المحاكم بالقانون) .
والحاصل: أنّ من ظنّ أنّ هذا النصّ الدستوري (مبادئ الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع) يدرأ الكفر عن هؤلاء الحكّام فقد أخطأ، بل إنّ هذا النصّ ممّا يدينهم ويدمغهم بالكفر لأنّه نصّ ضمنيًّا على اتّخاذ مصادر للتشريع غير شريعة الله».
شبهة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم حكم بغير شريعة
الإسلام -بالتوراة- فيجوز ذلك لأمّته من بعده
«وهذه من الشبهات التي يكفر قائلها، لما فيها من غمز النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقد قال ابن حزم رحمه الله إنّ من قال إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم حكم بين اليهوديين اللذين زنيا بحكم التوراة المنسوخة فهو مرتدّ.
وسبب الردّة هنا: هو مخالفة هذا القول للنصوص الدالّة على أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يحكم إلاّ بشريعة الإسلام، وأنّ القرآن ناسخ لما قبله من الشرائع كقوله تعالى {وأنزلنا إليك الكتاب بالحقّ مصدّقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 48] . وقال صلى الله عليه وسلم: «لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلاّ اتّباعي» [الحديث رواه أحمد والدارميّ] ، فكيف يتّبع النبيّ صلى الله عليه وسلم كتاب موسى مع هذا؟ ومصداق هذا الحديث من كتاب الله قوله تعالى {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثمّ جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمنُنّ به ولتنصرنّه قال أَأقرَرْتم وأخذتم على ذلك إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} [آل عمران: 81] . فجميع النبيين أقرّوا أنّه إذا بعث محمّد صلى الله عليه وسلم في حياتهم ليتّبعونه، فكيف يتّبع محمّد شريعة موسى عليهما الصلاة والسلام؟
وسبب هذه الشبهة ما ورد في إحدى روايات حديث رجم اليهوديين اللذين زنيا، وفيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإنّي أحكم بما في التوراة، فأمر بهما فرُجِمَا» [الحديث رواه أحمد وأبو داود] ، والردّ على هذا من وجهتين:
الأولى: أنّ هذه الرواية ليست ممّا يُحتجّ بها، فقد ذكر ابن حجر أنّ في سندها رجل مبهم.
الثانية: أنّها إذا صحّت هذه الرواية فإنّه ينبغي فهمها على أساس ما ذكرنا من أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يحكم إلاّ بالإسلام، وينبغي في ردّ المتشابه إلى هذا المحكم، فيكون معنى قوله «فإنّي أحكم بما في التوراة» أي بمثل ما ورد فيها