أرادوا مخالفة السلطان في حكم من أحكام الشريعة فإنه لم يكن يحدث في تاريخ الإسلام أن سنّ حاكمٌ حكمًا وجعله شريعة ملزمة للقضاء بها، وهذه واحدة، والأخرى أن الحاكم الذي حكم في قضية بعينها بغير حكم الله فيها فإنه إمّا يكون حكم بها وهو جاهل، فهذا أمره أمر الجاهل بالشريعة، وإما أن يكون حكم بها هوىً ومعصية، فهذا ذنبٌ تناله التوبة، وتلحقه المغفرة، وإما أن يكون حكم بها متأولًا حكمًا خالف به سائر العلماء، فهذا حكمه حكم كل متأوّلٍ يستمد تأويله من الإقرار ببعض الكتاب وسنن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأما أن يكون في زمان أبي مجلز أو قبله أو بعده، حاكمٌ حكمَ في أمرٍ جاحدًا بحكمٍ من أحكام الشريعة، أو مؤثرًا لأحكام أهل الكفر على أحكام أهل الإسلام، فذلك لم يكن قط، فلا يمكن صرف كلام أبي مجلز والإباضية إليه، فمن احتج بهذين الأثرين وغيرهما في غير بابها وصرفها إلى غير معناها، رغبةً في نُصرةِ سلطان أو احتيالًا على تسويغ الحكم بغير ما أنزل الله وفرض على عباده، فحُكْمُه في الشريعة كالجاحد لحكم من أحكام الله أن يستتاب فإن أصرّ وكابرَ وجحد حكم الله ورضيّ بتبديل الأحكام، فحكم الكافرِ المصر على كفره معروفٌ لأهل هذا الدين"»."
قال أبو إسراء الأسيوطي في التعقيب على هذا الكلام «فهذا الكلام من الشيخ أحمد شاكر وإقراره لكلام أخيه واضحٌ وضوح الشمس في التفرقة بين الحال التي قصدها ابن عباس وأبو مجلز والحال التي نحن فيها الآن وأن كلامهما وارد في أمراء الجور الذين يحكمون في قضية أو قضايا بغير ما أنزل الله مع كون الشريعة التي يحتكمون إليها هي شريعة الإسلام، وليس واردًا في من سن للناس قانونًا مخالفًا لشرع الله وألزمهم بالتحاكم إليه» .
وقال الشيخ الدكتور صلاح الصاوي في التعقيب على كلام الشيخ محمود شاكر « ... إنّ الذي يواجهه العمل الإسلامي في واقعنا المعاصر ليس خللًا عارضًا أو انحرافًا جزئيًا في قضية من القضايا حاد فيها القاضي عن الحق لهوىً أو رشوة كما هو حال الانحرافات في ظل المجتمعات الإسلامية، ولكنه خَللٌ في أصل قاعدة التحاكم في الدين الذي يجب أن تُردّ إليه الأمور عند النزاع في القانون الواجب الإتباع في حياة الأمة، هل هو الكتاب والسنة أم القوانين الوضعية التي تصدر عن البرلمان والسلطة التشريعية؟ إنه يتعلق بالإجابة على هذا السؤال: لمن الحكم في دار الإسلام؟ لشريعة الله أم لقوانين أوروبا؟ هل تقوم الدولة على تحكيم الشريعة الإسلامية؟ أم على تحكيم القوانين الوضعية؟» .
الشبهة الثانية:
لا يُكفّر أحد بذنب إلا إذا استحلّه
الشبهة الثانية: هي قولهم"لا يُكفَّر أحدٌ بذنبٍ إلاّ إذا استحله". وقد رد على هذه الشبهة علماء أهل السنة قديمًا وحديثًا، منهم على سبيل المثال لا الحصر الإمام ابن أبي العز الحنفي، قال رحمه الله تعالى أنه قد: «امتنع كثيرٌ