حتى ولو لم نقرأ كلامه في هذا الباب، لأن مثل هذا الكلام لا يقوله عاقل، فضلًا عن أن يصدر من عالم رباني كشيخ الإسلام رحمه الله تعالى- ... فكيف وكلامُه في هذا الباب واضحٌ وجليٌّ .. حيث كان كلُّه مُنصبًا على قاعدة درء أعظم المفسدتين وتحصيلِ أعلى المصلحتين عند التعارض .. وقد علمتَ أنَّ أعظم المصالح في الوجود هي مصلحةُ التوحيد وأنَّ أعظم المفاسد هي مفسدة الشرك والتنديد .. وقد ذَكر أنَّ يوسف عليه السلام كان قائمًا بما قدر عليه من العدل والإحسان، كما في الحسبة حيث يقول في وصف ولايته: «وفَعلَ من العدل والخير ما قدر عليه ودعاهم إلى الإيمان بحسب الإمكان» .
ويقول: «لكنْ فَعلَ الممكنَ من العدل والإحسان» .
ولم يذكر مُطلقًا أنَّ يوسف عليه السلام شرّع مع الله تعالى أو شارك بالحكم بغير ما أنزل الله أو اتبع الديمقراطية أو غيرها من الأديان المناقضة لدين الله، كما هو حالُ هؤلاء المفتونين الذين يخلطون كلامه رحمه الله تعالى بحججهم الساقطة وشبهاتهم المتهافتة ليضلوا الطَغام، وليلبسوا الحق بالباطل والنور بالظلام ...
ثم نحن يا أخا التوحيد ... قائدنا ودليلنا الذي نرجع إليه عند التنازع هو الوحي لا غير كلام الله وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم .. وكلُّ أحدٍ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيؤخذ من قوله ويرد
-فلو أنَّ مثل ما يزعمون صدر عن شيخ الإسلام وحاشاه- لمَا قبلناه منه ولا ممن هو أعظمُ منه من العلماء، حتى يأتينا عليه بالبرهان من الوحي. {قل إنما أُنذِركم بالوحي} [الأنبياء: 45] ، {قلْ هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} [البقرة: 111] .
فتنبه لذلك وعَضّ على توحيدك بالنواجذ، ولا تغتر أو تكترث بتلبيسات وإرجافات أنصار الشرك وخصوم التوحيد ... أو تتضرّر بمخالفتهم وكن من أهلِ الطائفة القائمة بدين الله الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا يضرّهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتيَ أمرُ الله وهم كذلك» . [فتح الباري، جـ13 صـ95] ».
الشبهة الخامسة:
أنَّ النجاشي لم يحكم بما أنزل الله ومع ذلك كان مسلمًا
«واحتج أهلُ الأهواء أيضًا بقصة النجاشي للترقيع لطواغيتهم المشرِّعين سواءَ كانوا حكامًا أو نوّابًا في البرلمان أو غيرهم ...
فقالوا: إنَّ النجاشي لم يحكم بما أنزل الله تعالى بعد أن أسلم وبقي على ذلك إلى أن مات ومع هذا فقد سماه النبيّ صلى الله عليه وسلم عبدًا صالحًا وصلى عليه وأمر أصحابه بالصلاة عليه.