فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 575

2 -وكذا بيعتَه للنبيّ صلى الله عليه وسلم والهجرة، ففي الرسالة المشار إليها آنفًا يذكر النجاشي: «أنه قد بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايع ابنٌ له جعفر وأصحابه وأسلم على يديه لله ربِّ العالمين، وفيها أنه بعثَ إليه بابنه أريحا بن الأصحم ابن أبجر، وقوله: إنْ شئتَ أن آتيك فعلتُ يا رسول الله فإنني أشهدُ أنَّ ما تقولُ حق» . فلعلَّه مات بعد ذلك مباشرة، أو لعلَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يُرِدْ منه ذلك آنذاك ... كلُّ هذه أمور غير ظاهرة ولا بينة في القصة فلا يحل الجزم بشيء منها والاستدلال به، فضلًا عن أن يُناطح به التوحيد وأصولُ الدين!!!.

3 -وكذا نصرةُ النبيّ صلى الله عليه وسلم ودينه وأتباعه، فقد نصر النجاشي المهاجرين إليه وآواهم وحقّق لهم الأمن والحماية، ولم يخذلهم أو يُسلمهم لقريش، ولا ترك نصارى الحبشة يتعرضون لهم بسوء رغم أنهم كانوا قد أظهروا معتقدهم الحق في عيسى عليه السلام ... بل ورد في الرسالة الأخرى التي بعثها إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم (وقد أوردها عمر الأشقر في كتابه المذكور صفحة 73) أنه بعث بابنه ومعه ستين رجلًا من أهل الحبشة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ... وكلُّ ذلك نصرةٌ له واتباعٌ وتأييد ..

ومع هذا فقد تهوّر عمر الأشقر فجزم في كتابه المذكور (ص73) أنَّ النجاشي لم يحكم بشريعة الله وهذا كما عرفتَ كذبٌ وافتراءٌ على ذلك الموحِّد .. بل الحق أن يُقال إنه حكم بما بلغه مما أنزل الله آنذاك، ومن زعم خلافه فلا يُصدق إلا ببرهانٍ صحيحٍ قطعيّ الدلالة، وإلا كان من الكاذبين {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} . وهو لم يأتِ على دعواه هذه بدليلٍ صحيحٍ صريح، لكن تتبّع واحتطب من كتب التاريخ بليلٍ أمورًا ظنها أدلة .. والتواريخ معروفٌ حالها ...

يقول القحطاني الأندلسي -رحمه الله تعالى- في نونيته:-

لا تقبلن من التوارخ كلما ... جمع الرواة وخط كلَّ بنانِ

اروِ الحديث المنتقى عن أهله ... سيما ذوي الأحلام والأسنانِ

فيقال له ولمن تابَعَه: «أثبتوا العرش ثم انقشوا» ..

رابعًا: إنَّ الصورة في قصة النجاشي لحاكم كان كافرًا ثم أسلم حديثًا وهو في منصبه، فأظهر صدق إسلامه بالاستسلام الكامل لأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بأنْ يُرسل إليه ابنه وبرجال من قومه ويبعثُ معهم إليه يستأذنه بالهجرة إليه ويظهرُ نصرتَه ونصرةَ دينه وأتباعه، بل ويظهرُ البراءة مما يُناقضه من معتقده ومعتقد قومه وآبائه ... ويُحاول أن يطلب الحق ويتعلم الدين وأن يُسدد ويُقارب إلى أن يلقى الله على هذه الحال وذلك قبل اكتمال التشريع وبلوغه إليه كاملًا ... هذه هي الصورة الحقيقية الواردة في الأحاديث والآثار الصحيحة الثابتة في شأنه .. ونحن نتحدى مخالفينا في أن يثبتوا غيرها .. لكن بدليل صريحٍ صحيحٍ أما التواريخ فلا تُسمن ولا تُغني من جوع وحدها دون إسناد ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت