والجواب على ذلك في مسألتين:
-المسألة الأولى: أنّه قد علم بالضرورة من دين الإسلام، بل من دين الرسل جميعًا، أنّه لا فرق في الحكم العام بين من يكفر بالحقّ ابتداءً، وبين من يتوارث ذلك عن غيره مع الرضا والمتابعة.
فلا فرق بين ابتداء تحريف التوراة والإنجيل، وبين من توارث ذلك من اليهود والنصارى من بعد، ما داموا مقرّين ومتابعين.
ولا فرق بين من ابتدع عبادة الأصنام، وبين من تعبّد لها بعد ذلك تقليدًا ومتابعةً.
ولا فرق بين عمرو بن لحي الخزاعي -وهو أوّل من غيّر دين إبراهيم فأدخل الأصنام إلى الحجاز ودعا إلى عبادتها من دون الله وشرع من الدين ما لم يأذن به الله- وبين من تابعه على ذلك من العرب من بعد.
ولقد خاطب القرآن الكريم أهل الكتاب بما ارتكبه آباؤهم من قبل، وما ذلك إلاّ لإقرارهم له ورضاهم به، فقال تعالى: {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أُنزِل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحقّ مصدّقًا لما معهم قل فلمَ تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 91] ،يقول لهم: إن كنتم صادقين في دعوى الإيمان بما أُنزِلَ عليكم، فلِمَ قتلتُم الأنبياء الذين جاؤوكم بتصديق التوراة التي بين أيديكم وقد أُمِرتم باتّباعهم وتصديقهم، وهذا خطاب لليهود الذين كانوا في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أنّ أحدًا من هؤلاء لم يرتكب شيئًا من ذلك، وإنّما هو أمرٌ جناه آباؤهم من قبل، فخوطبوا به لرضاهم به وإقرارهم له. ومثل ذلك كثير في القرآن.
-المسألة الثانية: إنّ القول بأنّ هذه النظم تسعى جاهدة إلى التغيير، وأنّ ذلك ينفي شبهة الرضا والمتابعة، أمرٌ يحتاج إلى تفصيل.
ذلك أنّه لا منازعة في صحّة المبدأ في ذاته، فمن جاء على ميراث سابق من الكفر، ولكن أعلن انخلاعه عنه، وكفره به، وبراءته منه، ثمّ توجّه بكلّ جهده نحو تغييره وإزالته، فلا شكّ أنّه لا ينسحب عليه حكم من سبقه، ولا يسأل عن جريمة جناها غيره، بل يسلك -إن صدق- في عداد المجاهدين.
أمّا إذا كان يروغ ويدور، فيزعم الإيمان، ويدّعي التوجّه إلى التغيير، ويقدّم بين يدي ذلك أعمالًا هزيلة مدخولة، ثمّ تتّجه خطاه بعد ذلك نحو الباطل الذي توارثه تدعيمًا له وتثبيتًا لأركانه، ومدافعة عنه، ومجادلة دونه، بل ويوالي ويعادي على ذلك، فمن رضي بشرعه ومنهاجه قرّبه وولاّه، ومن ظنّ به سوى ذلك أبعده وعاداه، بل يخنق كلّ صوت يدعو إلى الحقّ، وكلّ دعوة تعمل على إقامة الدين والتزام شرائعه، فلا يجوز حينئذٍ أن يعول على قولٍ تبيّن زوره، ولا على دعوى تبيّن بطلانها، ولا على زعم تحقّق كذبه، بل الأقرب أن يلحق هؤلاء بالزنادقة الذين لا تُقبَل لهم توبة في رأي فريق كبير من العلماء!!»