وفي حديث أبي موسى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"متفق عليه. قال ابن تيمية: فالعقوبة على ترك الواجبات وفعل المحرمات هي مقصود الجهاد في سبيل الله ا. هـ [1]
وقال ابن القيم: ولأجلها - أي التوحيد- جردت سيوف الجهاد ا. هـ [2] . ولو كان الجهاد مقصودًا لذاته لما سقط بأخذ الجزية كما قال تعالى {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} وفي حديث بريدة في صحيح مسلم: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا ثم قال:"اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فذكر الإسلام، فإن لم يستجيبوا فالجزية، فإن لم يعطوا فالقتال".
التمهيد الثاني: إذا تبين أن الجهاد مشروع لغيره، وهو إقامة دين الله في الأرض فقبل الدعوة إليه لا بد من الفقه الشرعي الدقيق والنظر المتعمق الطويل هل الدعوة بهذه الوسيلة تحقق الغاية المقصودة وهي إقامة دين الله أم لا؟
ومن الأمور المعينة على إدراك واقع المسلمين أنهم إذا كانوا في ضعف من جهة العدة والعتاد بالنسبة لعدوهم فلا يصح لهم أن يسلكوا مسلك جهاد العدو وقتاله لكونهم ضعفاء، ويوضح ذلك أن الله لم يأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة بقتال الكفار لما كانوا في مكة، لضعفهم من جهة العدة والعتاد بالنسبة لعدوهم.
قال ابن تيمية: وكان مأمورًا بالكف عن قتالهم لعجزه وعجز المسلمين عن ذلك، ثم لما هاجر إلى المدينة وصار له بها أعوان أذن له في الجهاد، ثم لما قووا كتب عليهم القتال ولم يكتب عليهم قتال من سالمهم؛ لأنهم لم يكونوا يطيقون قتال جميع الكفار. فلما فتح الله مكة وانقطع قتال قريش وملوك العرب، ووفدت إليه وفود العرب بالإسلام أمره الله - تعالى - بقتال الكفار كلهم إلا من كان له عهد مؤقت، وأمره بنبذ العهود المطلقة، فكان الذي رفعه ونسخه ترك القتال ا. هـ [3]
وقال: وسبب ذلك أن المخالفة لهم لا تكون إلا مع ظهور الدين وعلوه كالجهاد، وإلزامهم بالجزية والصغار، فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء لم تشرع المخالفة لهم، فلما كمل الدين وظهر وعلا، شرع ذلك ا. هـ [4]
(1) مجموع الفتاوى (28/ 308) .
(2) زاد المعاد (1/ 34) وأعلام الموقعين (1/ 4) .
(3) الجواب الصحيح (1/ 237) .
(4) اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 420) .