فهرس الكتاب

الصفحة 305 من 575

وعلى التنزُّل في كلِّ هذا، وإدخال كل مسلم في أرض الله خارج هذه البلاد فيمن يسقط واجب نصرتهم إذا قاتلوا معاهدين، فإنَّ الآية في الاستنصار على العدوِّ لا الاستغاثة، والفرق أن المستغيث هو من دهمه العدوُّ، أو غلبه على أرضه وبلده، وأمَّا المستنصر فهو من يُقاتل العدوَّ إمَّا غازيًا له وإما على السواء، ثمَّ يعجز عن غلبته، فيحتاج إلى من ينصره، فالمستنصر طالب النصر على العدو، والمستغيث طالب للغوث والسلامة من العدوِّ الصائل.

وقد يُطلق النَّصر، ويُراد به الإغاثة من العدوِّ، ويقال فيه حينئذٍ: نصره من عدوِّه، لا نصره على عدوِّه، فيكون نصره منه بمعنى أنجاه منه، ونصره عليه بمعنى أظهره عليه، والنَّصر في الآية مُعدًّى بعلى (فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) ، وهذا إن كانت على في الآية متعلّقةً بالنّصر، أمَّا إذا تعلّقت بالاستنصار، فإنَّ التعدية بعلى في الاستنصار تشمل المعنيَين، والأصل والظاهر أنَّها متعلّقة بالنصر.

وإذا دخل العدو بلدًا من بلاد المسلمين، فإنَّ دفعه فرضُ كفايةٍ على الأمَّة، وهو فرض عينٍ على أهل البلد، فإن لم يقوموا به وجب على من حولهم، ثمَّ يتّسع الواجب حتّى يأثم الكافَّة إن لم يقم به من يكفي كما هو معروف في الواجب الكفائيِّ.

وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الآية منسوخة وتجب النصرة مطلقًا قال الجصاص: ونسخ نفي إيجاب النصرة بقوله تعالى {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} قوله تعالى {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} .

وقال بعضهم: إذا كان القتال دفع فإنه يجب على المسلمين نصرة بعضهم البعض ولا يجوز خذلان إخوانهم.

قال ابن العربي رحمه الله: إلا أن يكونوا أسراء مستضعفين ; فإن الولاية معهم قائمة , والنصرة لهم واجبة بالبدن بألا يبقى منا عين تطرف حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك , أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم , حتى لا يبقى لأحد درهم، قاله مالك وجميع العلماء: فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما حل بالخلق في تركهم إخوانهم في أسر العدو , وبأيديهم خزائن الأموال وفضول الأحوال والعدة والعدد , والقوة والجلد. اهـ

فهل يجوز التعاهد مع عدوٍّ على إلغاء شيءٍ هو من الفرائض الواجبة المتعيّنة على كل واحدٍ من المسلمين؟ بل كل عهد تضمّن هذا باطلٌ ساقط، وكتاب الله أحقُّ، وشرط الله أوثقُ.

وما أدري لو أنَّ هذا المتكلم بهذا الكلام، وجد امرأةً مسلمةً على قارعة الطريق في بلدٍ من بلاد الكفرِ، يستكرهها أمريكيٌّ على الزِّنى، أيعتقد وجوب نصرها على من (بينه وبينه ميثاق) أم يمرُّ، ولا يعنيه الأمر؟

فإن وجب نصرها، مع كونها غير سعوديَّةِ البطاقة، فهل يجب نصرها لو أُريد قتلها؟ وهل يجب لها وحدها أم للشيوخ والأطفال والمستضعفين في بلاد الإسلام؟ وهل يجب الدفاع عن أبدانهم فقط أم عليه الدفاع عن أديانهم من العدوِّ الصليبيِّ الذي يسعى لنشر الفساد والإلحاد في البلاد والعباد؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت