فهرس الكتاب

الصفحة 462 من 575

وقال آخر في تعليقه على الكلام السابق: هذا الكلام جيد، يعني أن هؤلاء الذين يحكمون على الولاة المسلمين بأنهم كفار ماذا يستفيدون إذا حكموا بكفرهم؟ أيستطيعون إزالتهم؟ لا يستطيعون، وإذا كان اليهود قد احتلوا فلسطين قبل نحو خمسين عامًا، ومع ذلك ما استطاعت الأمة الإسلامية كلها عربها وعجمها أن يزيحوها عن مكانها، فكيف نذهب ونسلط ألسنتنا على ولاة يحكموننا؟ ونعلم أننا لا نستطيع إزالتهم، وأنه سوف تراق دماء وتستباح أموال وربما أعراض أيضا ولن نصل إلى نتيجة، إذا ما الفائدة؟ حتى لو كان الإنسان يعتقد فيما بينه وبين ربه أن من هؤلاء الحكام من هو كافر كفر مخرجا عن الملة حقا فما الفائدة من إعلانه وإشاعته إلا إثارة الفتن.

وقال بعضهم إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم (إن عليك إلا البلاغ) وما قال له عليك بتكفير الناس، فلا علينا إن لم نكفر الكافر، بل علينا إبلاغ الدعوة فقط.

... الجواب

أولا: يجب أن يُعلم أن طرق تغيير الأنظمة والأوضاع الجاهلية وأسلوب التعامل مع الناس جميعا مؤمنهم أو كافرهم لم يتركها الله تعالى للهوى والاستحسان أو لمجرد الفكر أو الاختيار الشخصي العاري من الدليل الشرعي، بل إن الله تعالى قد بينها وأوضحها في شريعته أحسن بيان، قال تعالى (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني) ، وقال تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)

وقد سن الله تعالى لنا سنة حسنة في إمام الحنفاء إبراهيم عليه وعلى جميع الأنبياء الصلوات والتسليم، فقد أرسله الله تعالى في بيئة جاهلية تشبه إلى حد كبير هذه الجاهلية الحديثة وإن اختلفت معها في بعض الصور، فقد كانت أهواء البشر - وخاصة الملأ - هي الحاكمة والموجهة لحياة الناس، سواء في الأمور الاعتقادية أو العملية أو الآداب والشرائع، تماما كما يحدث في عالمنا المعاصر.

وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم - والأمة تبع له - أن يتبع سنة خليله إبراهيم، فقال تعالى (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) ، وقال تعالى (قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين) .

وقد قال تبارك وتعالى في بيان أصول هذه الملة (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برؤاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده) ، وقوله تعالى (والذين معه) قال المفسرون فيها: أي المرسلين الذين على طريقته وأنصاره الذين كانوا معه، فملة إبراهيم عليه السلام هي طريق الدعوة عند جميع المرسلين، وهي الطريقة المثلى في التعامل مع الواقع الجاهلي، ومن تدبر آيات القرآن يجد أن الله تعالى قد وصف أصحاب هذه الدعوة بأنهم أعقل الناس وأحكمهم وأرشدهم وأحلمهم، فقال تبارك وتعالى (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين) ، وقال تعالى (إن إبراهيم لحليم أواه منيب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت