فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 575

فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ... مما يحتج بها الخوارج على تكفير ولاة الأمر الذين لا يحكمون بما أنزل الله، ثم يزعمون أن اعتقادهم هو حكم الله. وقد تكلم الناس بما يطول ذكره هنا، وما ذكرته يدل عليه سياق الآية. ا. هـ [1]

قال المكفِّر: دع عنك الاستدلال بهذا الدليل فإن عندي دليلًا ثالثًا ألا وهو قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا}

وجه الدلالة: أنهم صاروا منافقين لكونهم يريدون التَّحاكم إلى الطاغوت وجعل إيمانهم مزعومًا.

قال ابن الجوزي:"والزَّعم والزُّعم لغتان وأكثر ما يُستعمل في قول ما لا تتحقق صحته. ا. هـ [2] ."

قال المفسِّق: إن هذه الآية عاريةُ الدلالة عن تكفير الواقعِ في الحكم بغير ما أنزل الله، وذلك يتضح من أوجه:

الوجه الأول: أن الآية محتملةٌ لأمرين:

1 -أن إيمانهم صار مزعومًا لكونهم أرادوا الحكم بالطاغوت وهذا ما تمسكت به.

2 -أن من صفات أهل الإيمان المزعوم - المنافقين - كونهم يريدون التحاكم للطاغوت ومشابهة المنافقين في صفةٍ من صفاتهم لا توجب الكفر [3] ، فعلى هذا من حكم بغير ما أنزل الله فقد شابه المنافقين في صفةٍ من صفاتهم وهذا لا يوجب الكفر إلا بدليل آخر كمن شابه المنافقين في الكذب لم يكن كافرًا فمن ثمَّ إذا توارد الاحتمال في أمرٍ بين كونه مكفِّرًا أو غير مكفِّر لم يكفر بهذا الأمر لكون الأصل هو الإسلام فالنتيجة أنه لا يصح تمسكك بالآية في التكفير لكونها من المحتمل.

الوجه الثاني: أن هؤلاء يريدون الحكم بالطاغوت وليست إرادتهم هذه إرادةً مطلقةً بل هي إرادةٌ تنافي الكفر به الكفر الاعتقادي، ومن لم يعتقد وجوب الكفر بالطاغوت فلا شك في كفره الكفر الأكبر قال تعالى {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى}

قال ابن جرير:"يريدون أن يتحاكموا في خصومتهم إلى الطاغوت يعني إلى من يعظمونه ويصدرون عن قوله ويرضون بحكمه من دون حكم الله وقد أمروا أن يكفروا به يقول وقد أمرهم أن يكذبوا بما جاءهم به الطاغوت الذي يتحاكمون إليه فتركوا أمر الله واتبعوا أمر الشيطان"ا. هـ [4]

فإن أبيت إلا أن تحملها على مطلق الإرادة فيُقال إن الإرادة هنا محتملةٌ لما قلتَ وقلتُ والكفر لا يكون في الأمور المحتملة - كما سبق -

قال المكفِّر: إليك الدليل الرابع قال تعالى {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}

(1) المنهاج (5/ 131) .

(2) زاد المسير (2/ 120) .

(3) انظر جامع البيان في تفسير القرآن (5/ 99) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت