فهرس الكتاب
أقطع له قطعة من النار"فهذا سيد الحكام والأمراء والملوك يقول إذا حكمت لشخص بشيء يعلم أنه لا يستحقه فلا يأخذه وقد أجمع المسلمون على أن حكم الحاكم بالأملاك المرسلة لا ينفذ في الباطن."
ثم قال: وقد فرض الله على ولاة أمر المسلمين اتباع الشرع الذي هو الكتاب والسنة وإذا تنازع بعض المسلمين في شيء من مسائل الدين ولو كان المنازع من آحاد طلبة العلم لم يكن لولاة الأمور أن يلزموه باتباع حكم حاكم، بل عليهم أن يبينوا له الحق كما يبين الحق للجاهل المتعلم فإن تبين له الحق الذي بعث الله به رسوله وظهر وعانده بعد هذا استحق العقاب وأما من يقول إن الذي قلته هو قولي أو قول طائفة من العلماء المسلمين وقد قلته اجتهادا أو تقليدا (لا هوى وفقه تيسير) فهذا باتفاق المسلمين لا تجوز عقوبته ولو كان قد أخطأ خطأ مخالفا للكتاب والسنة ولو عوقب هذا لعوقب جميع المسلمين فإنه ما منهم من أحد إلا وله أقوال اجتهد فيها أو قلد فيها وهو مخطئ فيها فلو عاقب الله المخطئ لعاقب جميع الخلق بل قد قال الله تعالى في القرآن {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} .
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم"إن الله استجاب هذا الدعاء", وقال النبي صلى الله عليه وسلم"إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"فالمفتي والجندي والعامي إذا تكلموا بالشيء بحسب اجتهادهم اجتهادا أو تقليدا قاصدين لاتباع الرسول بمبلغ علمهم [لا هوى وفقه تيسير وعصرانية، لأن من صادف الحق هوى وشهوانية وعصرانية لا يكن مصيبا وإن وافق الحق، بل مخطئا ضالا، لأنه مثل من فسر القرآن هوى أوعصرانية لا يكن مصيبا وإن وافق الحق] لا يستحقون العقوبة بإجماع المسلمين وإن كانوا قد أخطئوا خطأ مجمعا عليه وإذا قالوا إنا قلنا الحق واحتجوا بالأدلة الشرعية لم يكن لأحد من الحكام أن يلزمهم بمجرد قوله ولا يحكم بأن الذي قاله هو الحق دون قولهم بل يحكم بينه وبينهم الكتاب والسنة، والحق الذي بعث الله به رسوله لا يغطى بل يظهر فإن ظهر رجع الجميع إليه وإن لم يظهر سكت هذا عن هذا وسكت هذا عن هذا كالمسائل التي تقع يتنازع فيها أهل المذاهب لا يقول أحد إنه يجب على صاحب مذهب أن يتبع مذهب غيره لكونه حاكما فإن هذا ينقلب فقد يصير الآخر حاكما فيحكم بأن قوله هو الصواب فهذا لا يمكن أن يكون كل واحد من القولين المتضادين يلزم جميع المسلمين اتباعه. وعلى ولاة الأمر أن يمنعوهم من التظالم فإذا تعد بعضهم على بعض منعوهم العدوان.
ثم ضرب مثلا لذلك: بأن الحكام قد ألزموا بمنع ظلم أهل الذمة وأن يكون اليهودي والنصراني في بلادهم إذا قام بالشروط المشروطة عليهم لا يُلزمه أحد بترك دينه مع العلم بأن دينه يوجب العذاب فكيف يسوغ لولاة الأمور أن يمكنوا طوائف المسلمين من اعتداء بعضهم على بعض وحكم بعضهم على بعض بقوله ومذهبه هذا مما يوجب تغير الدول وانتقاضها فإنه لا صلاح للعباد على مثل هذا. وهذا إذا كان الحكام قد حكموا في مسألة فيها اجتهاد ونزاع معروف فإذا كان القول الذي قد حكموا به لم يقل به أحد من أئمة المسلمين (كما هو مسلك الانهزاميين