فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 575

رغم أن كثيرًا ممن يلج هذا الميدان يدعي الالتزام بطريقة أهل السنة والجماعة فإنك تجده يصبح أشد من المعتزلة في تعطيل النصوص والاعتماد على التقدير العقلي في الدفاع عن الحكام، وأشد من الصوفية في التسليم للحكام، ولذلك كان لابد من تحديد هذه الثوابت الشرعية والعودة إليها عند الاختلاف وإلا ضاعت القضية وتبعثر الأمر.

وقبل أن أبدأ الرد على المسألة الأولى أحب أن أنبه على أمرٍ وهو: أنّ إقامة خليفة للمسلمين يحكم بما أنزل الله ويسوس رعيته بما أمر الله من أوجب الواجبات، وطاعته فيما ليس بمعصية لله من أعظم القربات، لأنه لا تستقيم أمور الناس بغير حاكم يقوم فيهم بأمر الله، ولا يستقيم أمر الحكم إلا بالاجتماع والسمع والطاعة.

ولكن لا يصح الحكم والولاية على المسلمين بما يفسد أمر دينهم ودنياهم، فلا يصح للحاكم الذي أمر الله بتنصيبه على المسلمين أن يحكم المسلمين بغير ما وُضع من أجله، ونُصِّبَ لإقامته.

فالحاكم إنما وضع ليقيم أمور المسلمين؛ لذلك سُمِّي ولِيَّ أمر المسلمين، ومن أعظم أمور المسلمين إقامة شرع الله فيهم، بل لم يوضع الحاكم إلا لذلك، فإذا خالفه وحكم بما تمليه عليه نفسه، أو بقوانين مأخوذة من البشر، فلا فائدة من وضعه بل ضرر بقائه في الحكم من أعظم الضرر على المسلمين.

والنبي صلى الله عليه وسلم عندما أمر بطاعة ولاة الأمور قيّد ذلك بقيامهم بكتاب الله والحكم به فعن يحيى بن حصين عن جدته أم الحصين قال سمعتها تقول: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأسامة أحدهما يقود به راحلته والآخر رافع ثوبه على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشمس قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا كثيرا ثم سمعته يقول: (إن أُمّر عليكم عبد مجدع(حسبتها قالت) أسود يقودكم بكتاب الله تعالى فاسمعوا له وأطيعوا). رواه مسلم.

وفي لفظ: (لو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا) . رواه مسلم

وفي رواية الطبراني في المعجم الكبير: (إن أمّر عليكم عبد حبشي مجدع فاسمعوا له ما أقام فيم كتاب الله تعالى) .

وقال صلى الله عليه وسلم: (إنّ هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبّه الله في النار على وجهه، ما أقاموا الدين) رواه البخاري.

فهذه الأحاديث بيّنت أن طاعة الحاكم لا تكون إلا بشرط أن يقودنا بكتاب الله ويقيم فينا الدين، ومفهومها أنهم لو نحّوا كتاب الله وأقاموا فينا غيره فإنه لا سمع لهم ولا طاعة.

قال ابن حجر رحمه الله:"والأصل في مبايعة الإمام أن يبايعه على أن يعمل بالحق ويقيم الحدود ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر. [فتح الباري: 13/ 203] "

وسوف يتبين لك فيما سيأتي أن الحكم بالقوانين الوضعية بدلًا عن حكم الله كفر أكبر، والحاكم المسلم لو طرأ عليه الكفر وجب القيام عليه وخلعه باتفاق المسلمين، فإذا لم يقدروا فإنهم يعدون العدّة لذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت