هذه نماذج عفو الخاطر، وبادي الرأي، ولكنها كافية ناطقة بتكذيب هذه المقولة التي تزعم (العزلة بين القيادة السياسية والقيادية الفكرية) .
إن العزل ولا أقول العزلة أو الإنعزال لم يكن إلا في القرنين الماضيين: القرن التاسع عشر والعشرين الميلاديين. وهما فيما يزعمون عصر النهضة، لم يعزل العلماء والأئمة عن قيادة الأمة إلا في هذين القرنين، حين بدأ التغريب في الفكر والثقافة والقوانين ... ولذلك حديث يطول.
ولكني أحببت أن أقول: إن انشغال إمام الحرمين بالسياسة الشرعية فكرًا وتنظيرًا، ثم ممارسة وعملًا إنما هو شأن كل أئمة الإسلام. نجد هذا في ثنايا كتبهم، وفي طيات أقوالهم، وبين فتاويهم وخلال قضاياهم وأحكامهم. كما نجده فيما أفرده طائفة كبيرة منهم من بحوث وكتب مستقلة في السياسة، لم تظفر بعدُ هذه الكتب بمن يعتني بها تحقيقًا وتعليقًا، وطبعًا ونشرًا.
وكان من هذه الكتب كتاب إمام الحرمين:
(غياث الأمم في التياث الظلم)
المشهور بالغياثي
وهو من أجلّ كتب الفكر السياسي الإسلامي، ولم يعرف وينشر إلا من نحو عشرين عامًا، وقدّر الله لنا شرفَ القيام بهذا العمل.
لقد عرف الدارسون والباحثون كتاب (الأحكام السلطانية) للماوردي وشغلوا به منذ قرنٍ تقريبًا. والسبب في ذلك هو انشغال المستشرقين به، حيث نشروه وترجموه، وكأننا لا نعرف قيمة علمائنا ولا نعترف بهم إلا إذا نوّه بهم المستشرقون!!، على حين يرى إمام الحرمين - في نقده للأحكام السلطانية .. أنه ليس خالصًا للسياسة الشرعية.
وما زال المجال واسعًا أمام دراسة (الغياثي) والمقارنة بينه وبين (الأحكام السلطانية) . ولعلّ أحسن وأصدق تقييم لكتاب (الغياثي) ما كتبه العلامة المحقق المرحوم السيد أحمد صقر إذ قال:"يعتبر هذا الكتاب من أجلّ كتب إمام الحرمين قدرًا من حيث الموضوع وطريقة العرض، ودقة الأداء، وهو كتاب فريد في بابه، لم"