ولم يكن لقب (الإمام) وإطلاقه عليه بغير تقييد هو وحده الذي عظّم به الشافعية إمام الحرمين، فأنت واجدٌ في كتبهم تعظيم الإمام شائعًا بأكثر من لقب، سواء وافقوه أو خالفوه، ويكفي أن نشير إلى نموذج يسير من ذلك، فها هو النووي يحكي كلامه في مسألة من مسائل المياه، فيقول:"قال إمام الحرمين، وهو عمدة المذهب ..." [1] .
وعندما يردّ قوله ويخالفه يقول:"ومن أظرف العجائب قول إمام الحرمين هذا مع علو مرتبته، ونفوذه في العلوم مطلقًا [2] ".
فمع هذا الرّدّ لقول الإمام إلا أنه لم يسعه إلا الإقرار بعلوّ مرتبته، ونفوذه في العلوم مطلقًا.
أما السبكي، فيسميه:"لسان المذهب ولسان الشريعة"، ونص عبارته:
"مسألة: اشتهر عن الشافعي رضي الله عنه أن تَرْك الاستفصال في حكاية الأحوال، مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، وهذا وإن لم أجده مسطورًا في نصوصه، فقد نقله عنه لسان مذهبه، بل لسان الشريعة على الحقيقة أبو المعالي رضي الله عنه [3] ".
ولم يكن هذا -أيضًا- عند علماء الشافعية وأئمتهم، بل رأيناه عند المخالفين، بل أشدهم خلافًا، فقد وجدنا ملا علي القاري، وهو أحد أقطاب الحنفية، وأحد مجددي القرن الحادي عشر، شيخ الإسلام ببلد الله الحرام، وجدناه وقد ألف رسالة في الرد على إمام الحرمين في كتابه (مغيث الخلق [4] ، قال في مقدّمة هذه الرسالة [5] عن إمام الحرمين:"لا شك أن مدار أصول الشافعية، وفروعهم عليه"فمع أن المقام مقام
(1) المجموع: 1/ 54.
(2) المجموع: 6/ 525.
(3) ر. الأشباه والنظائر: 2/ 137.
(4) هذا الكتاب مزيف مدَّعَّى على إمام الحرمين، وقد صار عندنا من الشواهد والأدلة ما يقطع بذلك، فعسى الله أن ينسأ في الأجل، ويعيننا على إتمام هذا البحث، وإخراجه، فقد ظلم إمام الحرمين بسبب هذا الكتاب ظلمًا بينا من بعض المتعصبة.
(5) مخطوطة بمكتبة الحرم المكي، عندي صورة لها، هدية من الأخ العلامة الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان عضو هيئة كبار العلماء في السعودية.