وفي موضع آخر يعلق السبكي على ما وصفه بتحامل الإمام المازَري وغيرِه من علماء المالكية الذين شرحوا (البرهان) مبينًا سببَ هذا التحامل في رأيه، فقال:"إنهم يستصعبون مخالفةَ الإمام أبي الحسن الأشعري، ويرونها هُجنةً عظيمة، والإمام -إمام الحرمين- لا يتقيد لا بالأشعرىِ ولا بالشافعي، لا سيما في (البرهان) ، وإنما يتكلم حسب تأدية نظره واجتهاده، وربما خالف الأشعريَّ، وأتى بعبارة عالية، على عادة فصاحته، فلا تتحمل المغاربة أن يقال مثلُها في حق الأشعري".
قال السبكي: وقد حكينا كثيرًا من ذلك في شرحنا على (مختصر ابن الحاجب) [1] .
وقد استدل الحافظ السيوطي (ت 911 هـ) في رسالته (الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض) بعبارة السبكي هذه: أن إمام الحرمين لا يتقيد بالأشعري ولا بالشافعي، وإنما يتكلم حسب ما يؤديه إليه نظره واجتهادُه: أن هذا الإمام قد استقل بالاجتهاد، وتحرر من التقليد [2] .
ونقل عن ابن المنيّر أنه قال في حق إمام الحرمين: له علو همة إلى مساواة المجتهدين.
ووصفه الحافظ القزويني بأنه: المجتهد ابن المجتهد [3] .
ومما يؤكد ذلك: ما ذكره الدكتور الديب قي تحقيقه للبرهان من جملة فهارس لها دلالتها وأهميتها في آخر الكتاب، ومنها ثلاثة فهارس ننبه عليها هنا:
1 -فهرس المسائل التي خالف فيها إمامُ الحرمين الشافعيَّ، وقد أحصاها، فكانت أربعًا وعشرين مسألة.
2 -فهرس المسائل التي خالف فيها إمام الحرمين الأشعري، وقد حصرها في ثلاث مسائل.
(1) الطبقات: 5/ 192.
(2) الرد على من أخلد إلى الأرض ص 194 تحقيق د. فؤاد عبد المنعم.
(3) نفسه.