هكذا، سمعنا هذه العبارة بهذا التفسير، ونحن نحبو في أول طريق الطلب، هكذا قرئت لنا، وظلت تقرأ حتى أيامنا هذه، يحملها (الأساتذة) جيلًا عن جيل، ويلقنونها لتلاميذهم، بهذا المعنى، ودليلًا على التعصب وإفساده للحياة الفقهية.
ولما قدر الله لنا صحبة أئمتنا والتلمذة لهم، والعيشَ في كنفهم، والاطلاعَ على شيء من أخبارهم، ومعرفة طرفٍ من أخلاقهم، بدأت أتململ حينما أسمع باحثًا مرموقًا يحكي هذه العبارة -بهذا الفهم- في قاعة المؤتمرات والندوات أمام عشرات العلماء، ومئات الطلاب، ورحتُ أقرأ هذه العبارة قراءة أخرى عكس ما تُقرأ وتتردد عليه، رحتُ أقرأ هذه العبارة في ضوء معرفتي المتواضعة بتاريخ أئمتنا، وأخلاقهم، وورعهم.
وأحببتُ قبل أن أصرح بهذه القراءة، وأُعلي بها صوتي، أن أعرف أولًا من صاحبها؛ لأرى مكانته ومنزلته في الفقه، وقبل ذلك أعرف طرفًا من سيرته، فإذا بي أجد صاحب هذه العبارة هو:
الإمام الجليل، أبو الحسن الكرخي، شيخ الحتفية في عصره، وهو عبيد الله بن حسن بن دلال، توفي عن ثمانين سنة في شعبان سنة 340.
أما سيرته، فقد ذكر كل من ترجم له:"أنه كان قانعًا متعففًا، صبورًا على الفقر، عزوفًا عما بأيدي الناس، فقد كان من العلماء العباد الزهاد، كان صوّامًا قوامًا، ذا تهجدٍ وتألّه، وزهدٍ تام".
ذكره بهذا أربعة ممن ترجموا له من مخالفيه في المذهب، وهم الخطيب البغدادي الشافعي الشديد على الأحناف، المتوفى سنة 463 هـ، والإمام الذهبي السلفي المتشدد، المتوفى 648 هـ، والإمام ابن كثير، السلفي الشافعي المتوفى سنة 674 هـ، وابن العماد الحنبلي، المتوفى سنة 1089 هـ [1] .
(1) ر. تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي: 10/ 353، سير أعلام النبلاء: 15/ 426، البداية والنهاية: 11/ 225، وشذرات الذهب: 2/ 358.