باب في مراعاتهم الأصول للضرورة تارة, وإهمالهم إياها أخرى:
فمن الأول قولهم: صغت الخاتم, وحكت الثوب ونحو ذلك. وذلك أن فعلت هنا عدَّيت, فلولا أن أصل هذا فعلت -بفتح العين- لما جاز أن تعمل فعلت. ومن ذلك بيت الكتاب:
ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح1
ألا ترى أن أوّل البيت مبني على اطِّراح ذكر الفاعل, وأن آخره قد عوود فيه"الحديث عن الفاعل"2 لأن3 تقديره فيما بعد: ليبكه مختبط مما تطيح الطوائح. فدلَّ قوله: ليبك, على ما أراده من قوله: ليبكه. ونحوه قوله الله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} 4، {وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا} 5، هذا مع قوله سبحانه: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} 6 وقوله عز وجل: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} 7 وأمثاله كثيرة. ونحو من البيت قول الله تعالى:"فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، رِجَالٌ"8 أي: يسبح له فيها رجال.
ومن الأصول المراعاة قولهم: مررت برجل ضارب زيد وعمرًا, وليس زيد بقائم ولا قاعدًا و {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ} 9 وإذا جاز أن تراعى الفروع نحو قوله 10:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابقٍ شيئًا إذا كان جائيا
1 هذا من أبيات لنهشل بن حري في رثاء يزيد بن نهشل. والبيت في الكتاب 1/ 145 منسوبًا إلى الحارث بن نهيك. وانظر الخزانة 1/ 147.
2 في د، هـ، ز:"ذكر الفاعلي".
3 في ش:"أن".
4 آية: 19، سورة المعارج.
5 آية: 28، سورة النساء.
6 آيتا: 1، 2 سورة العلق.
7 آيتا: 3، 4 سورة الرحمن.
8 آيتا: 36، 37 سورة النور, وقراءة فتح الباء في"يسبَّح"قراءة ابن عامر وأبي بكر.
9 آية 33، سورة العنكبوت.
10 أي: زهير. وانظر الكتاب 1/ 83، ونسب فيه في 1/ 154 لصرمة الأنصاري. قال ابن خلف:"وهو الصحيح", ويروى لابن رواحة كما في الخزانة 3/ 666. هذا وفي ط:"سابقًا"وبعد البيت:"وسابق أيضًا".