فمتى رأيت الشاعر قد1 ارتكب مثل هذه الضرورات على قبحها, وانخراق الأصول بها, فاعلم أن ذلك على ما جشمه منه وإن دلَّ من وجه على جوره وتعسفه, فإنه من وجه آخر مؤذِن بصياله وتخمطه2، وليس بقاطع دليل على ضعف لغته, ولا قصوره عن اختياره الوجه الناطق بفصاحته. بل مثله في ذلك عندي مثل مجرى الجموح بلا لجام, ووارد الحرب الضروس1 حاسرًا من غير احتشام. فهو وإن كان ملومًا في عنفه وتهالكه, فإنه مشهود له بشجاعته وفيض منته3؛ ألا تراه لا يجهل أن لو تكفر4 في سلاحه أو أعصم4 بلجام جواده لكان أقرب إلى النجاة وأبعد عن الملحاة5؛ لكنه جشم ما جشمه على علمه بما يعقب اقتحام مثله إدلالًا بقوة طبعه ودلالة على شهامة6 نفسه. ومثله سواءً ما يحكى عن بعض الأجواد أنه قال: أيرى7 البخلاء أننا لا نجد بأموالنا ما يجدون بأموالهم, لكنا نرى أن8 في9 الثناء بإنفاقها عوضًا9 من حفظها بإمساكها10. ونحو منه قولهم: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، وقول الآخر 10:
لا خير في طمع يدني إلى طبع ... وغفَّة من قوام العيش تكفيني
فاعرف بما ذكرناه حال ما يرد في معناه, وأن الشاعر إذا أورد منه شيئًا فكأنه
1 سقط في د، هـ، ز.
2 يقال: تخمط الفحل: هدر وثار. وتخمط: تكبر.
3 أي دخل في سلاحه وتغطى به واستتر.
4 في ز:"اعتصم"، والاعتصام والإعصام بمعنى واحد.
5 الملحاة: اللوم، وهو مفعلة من لحوت: قشرته.
6 كذا في ش. وفي د، هـ، ز، ط:"شهومة".
7 كذا في ش، ز، ط. وفي ج:"يرى".
8 سقط في ز، ط.
9 سقط في ج. وفيها:"عوض".
10 كذا في ش. وفي د، ز، ط:"وإمساكها".
11 هو عروة بن أذينة, وانظر مجموعة المعاني 68، والأغاني 21/ 164, وفيها:
وغبّر من كفاف العيش يكفيني
وفي أمالي المرتضى هذا البيت في ضمن أبيات لثابت قطنة. والطبع: العيب. والعفة: ما يتبلغ به ويقتات, وقوله:"فوام"في ج:"صباب"والصباب: البقية.