الناس إلى عبادة الله عز وجل وتوحيده وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ثم ان الله عز وجل يبتليهم فينظر هل يصبرون ويحتسبون أم ينكصون ويتراجعون ويتركون ما كانوا عليه، وبذلك يحاسب الله الناس على ما صدر منهم من أعمال في الدنيا ويجعلها مناط الثواب والعقاب بالرغم من علمه سبحانه أنها ستكون.
ولهذا كان الابتلاء في الدنيا بمثابة النهر الذي يفصل بين ضفتين فلا يصل إلى الضفة الثانية إلا من كان يجيد السباحة ويصبر على تحمل المشقة، فحال الناس في ذلك لا يعدو قسمين، قسم بدأ في السباحة إلى الضفة الثانية ولكنه لم يصبر على مواصلة المسير ففضل الراحة والسلامة ورجع من منتصف الطريق، وقسم صبر وبذل كل ما في وسعه حتى وصل إلى الضفة الثانية بسلام، فمثل هؤلاء كمن آمن وصبر على البلاء واحتسب فنال ما كان يرجو، {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين * وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين} .
ولو نظرنا إلى سيرة الأنبياء ابتداءً من نوح عليه السلام وانتهاءً بالمصطفى صلى الله عليه وسلم لوجدنا أن هناك مرحلة حتمية مر بها جميعهم صلوات ربي وسلامه عليهم، وهي مرحلة الابتلاء والاستضعاف؛
فهذا نوح عليه السلام يمكث في قومه ألف سنةٍ إلا خمسين عاما ولم يؤمن به إلا القليل ومن أنه صبر وتلطف في دعوته واتبع الوسائل المختلفة فيه .. ليلًا ونهارًا .. سرًا وجهارًا .. إلا انهم طغوا وتجبروا وازدادوا كفرًا وقالوا: {يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا} ، لقد كان ابتلاءً عصيبًا وامتحانًا عسيرًا أن يمكث في قومه هذه المدة الطويلة ولا يؤمن به إلا القليل، وعندما أيقن أن القوم يكيدون له دعا ربه فقال: {قال رب إن قومي كذبون * فافتح بيني وبينهم فتحًا ونجني ومن معي من المؤمنين} ، فأنجاه الله ومن معه واغرق الذين كفروا، ومُكن لنوح عليه السلام وللفئة المؤمنة التي اتبعنه.
وهذا موسى عليه السلام يدعو فرعون وقومه ويريهم آيات الله، فيقولون هذا ساحر عليم، ويجمع فرعون كيده وينادي بالسحرة من كل مكان ويعدهم، ويمنيهم أنهم سيكونون من المقربين، وان لهم لأجرًا إن كانوا هم الغالبين، وما هي إلا لحظات حتى ذهب سحرهم أمام عظمة صنيع الله عز وجل: {فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى} ، عندها بدأت مرحلة الابتلاء للفئة المؤمنة بموسى وعلى رأسهم السحرة الذين آمنوا وما كان جوابهم حين هددهم فرعون وتوعدهم بأن يقطع أيديهم وأرجلهم وصليهم في جذوع النخل إلا أن قالوا له: {اقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} ، فقتل من قتل منهم،