ونجى موسى عليه السلام وطائفة من المؤمنين به، خرج بهم موسى ليلًا، حتى إذا وصلوا إلى البحر قالوا لموسى إنا لمدركون، فأوحى الله عز وجل إلى موسى أن يضرب البحر بعصاه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، ومضى موسى ومن معه، في ذلك الطريق والذي كان معجزة من معجزات موسى عليه السلام، فتبعه فرعون وجنوده فأغرقهم الله وأخذهم بذنوبهم ونجّى فرعون ومن معه وانتهت المعركة وأسدل الستار معلنًا عن نهاية اعتى طواغيت الأرض في ذلك الزمان.
إن الذي سن الابتلاء على عباده الصالحين لقادر على أن يأخذ المسيئين الذين يفتنون الناس عن دينهم، وان أبطأ سبحانه في ذلك فالخير كل الخير فيما قدّره جل شأنه {فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرا} .
فأمر هذا الدين بيد الله سبحانه وتعالى إن شاء أظهره وقت ما شاء وكيف من شاء، فالذي يظن أن بإمكانه الدخول في المعركة والخروج منها منتصرًا دون أن يدفع ثمن تمسكه بالحق والدعوة إليه، فهذا لم يدرك طبيعة الصراع.
بل إن الذي يسلك هذا الطريق عليه أن يعلم أنه قاب قوسين أو أدنى من الابتلاء، ولاشك انه ليس الأول ولا الأخير، فقد أُبتلي الأنبياء والصالحون وفي الحديث الصحيح"أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء"، فهي إذن سنة ماضية ما بقيت المعركة بين الكفر والإيمان قائمة.
وهنا نذكر بعض ما لاقاه الرسول صلى الله عليه وسلم من أذى وإساءة من مشركي مكة؛
لما نزل الوحي عليه صلى الله عليه وسلم رجع إلى خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وهو يرجف ويقول: (زملوني .. زملوني) ، وبعد أن ذهب عنه الروع أخبر خديجة رضي الله عنها بالذي حدث في غار حراء فانطلقت به إلى ورقة بن نوفل فأخبره صلى الله عليه وسلم بالذي حدث معه، فكان مما قاله ورقة بن نوفل: (يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك) ، فقال صلى الله عليه وسلم: (أو مُخرجيَّ هم؟!) ، قال: (نعم .. لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وان يدركني يومك انصرك نصرًا مؤزرًا) ، والقصة في صحيح البخاري.