فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 163

عن هذه الأمة، حتى وإن بدا الأمر خلاف ذلك لقاصري النظر وضعاف الهمم، فالشدة والضيق والابتلاء والمحن والحرب والقتال أمور لا بد منها ولا محيص عنها لمن يدعي الإيمان {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} ، {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون} ، {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} ، ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم لا يفتنون.

وسيعلم بعض الذين يمثلون امتدادا للفكر الصوفي في ثوب جديد ممن عطلوا الأسباب وأنكروها وتنكروا لها أن الدين لا ولن يقام بالردود المسجوعة، وعبارات التشقيق والتقعير، ولا بالانشغال بالجزئيات وحدها وتهميش الكليات وإهمالها، لا بل محاربتها وتحريفها وتزييفها .. ولا بدعاوى وطرق ومسالك يرتضيها"ولاة الأمر"بل يدعمونها ويساندونها ويحثون على التمسك بها والسير عليها .. كيف لا .. وهم يحظون من خلالها بالدعاء لهم صباح مساء .. والتمجيد والتبجيل والثناء مما تشمئز وتتقزز منه النفوس السوية، وبإضفاء الشرعية عليهم فوق المنابر وفي المجامع تملقا وزورا مما يثبت عروشهم ويجعلهم في أعين الناس -ولاة أمرهم الذين لهم حق السمع والطاعة- هؤلاء وأمثالهم هم الذين دأبوا على تزيين أعمال الطغاة وأطالوا ويطيلون عمر بقائهم مع فسادهم وإفسادهم وبطشهم وتنكيلهم وبغيهم وطغيانهم، وليس من يواجه الطواغيت ويقارعهم بالبيان والسنان ويلاقي في سبيل ذلك كل عنت ومشقة، هو الذي يزيد في ثباتهم وعنادهم؛ لا كما كتب الدكتور - فتحي يكن - مقالا يذكر ويكرر فيه هذه القضية، حتى خلص إلى أن منافسة هذه الأنظمة تحت"رقبة البرلمان"هو الواجب إشعارا بوجود حركة مضادة حتى ولو صار الدين"لعبة ديمقراطية"أو"قرعة دستورية"أو ورقة تلقى في صندوق هو أشبه ما يكون بصناديق القمامة.

أفبهذا يقام الدين ويمكن لأهله؟ أهكذا تستأنف الحياة الإسلامية الحقيقية التي تقتلع الجاهلية كل الجاهلية من أصلها.

أبلعغ منا الجبن والخور والشح في دفع التكاليف أن نستخف بعقول الناس وندغدغتهم بشيء من الآمال الكاذبة والأماني الخادعة الذاهبة أدراج الرياح؟ أنحن مقتنعون حقا بأننا سنقيم شريعة الله"الكاملة"ونحكم كتابه القويم وننسف نظم ودساتير وآلهة الجاهلية برمتها بوريقة أو وريقات نلقيها في توابيت الكذب والخداع والضلال والتضليل؟، كلا والله .. إن هذا إلا لهو، وهو الجري وراء السراب وتضييع للأعمار وإهدار للأموال، ولئن استطعنا أن نخدع الناس ونخادع أنفسنا فإن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويكفي لتبديد هذه الأكاذيب وتشتيت الألاعيب أن تسمى هذه الطرق عند أهلها وعارفيها بـ"اللعبة والمسلسل"ومتى كان دين الله يقوم باللعب والمسلسلات والاستجداء في طلب الأصوات.

وإن تعجب فعجب ممن هذا طريقه وهذه أساليبه في المواجهة والتغيير .. بالحوار البارد، والعيش الهادئ، والحل السلمي، والتعدد الدستوري، فهو لم يصنع الأحداث ولا فجر الانطلاقة، ولا بدأ العمل، ولا بعث الحياة والأمل، فضاعت المبادئ في طيات هذه الأسماء المائعة، وشوهت صورة الحق داخل هذا النفق المظلم، وأشربت القلوب حب الدعة والراحة، وجمحت إلى الخضوع والخنوع واستمراء الذل والامتهان، ورغبت عن الحق الجلي إلى دجى الباطل القاتم، فانقلب المعروف منكرا والمنكر معروفا، وصار الجهاد عنفا، وطلب الشهادة تهورا، والقتل والقتال تطرفا، والدستور قناة شرعية، والتعددية حتمية دينية!! فلم تقدر قيمة لدماء الشهداء، وأعراض الأسرى، وأنات الثكالى.

لكننا نقول إن هذا هو الطريق منذ عهد المرسلين والمصلحين ليبلو الله الصابرين ويعلم المجاهدين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت