عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا، ولهذا قال {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويُسلموا تسليمًا} ، أي إذا حكموك يُطيعونك في بواطنهم، فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليمًا كليًا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، كما ورد في الحديث"والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به").
ولذلك غضب النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى صحيفة من التوراة في يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأن ذلك يُخالف ما أراد النبي صلى الله عليه وسلم من توحيد مصدر التلقي والأخذ عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
والصحابة رضي الله عنهم لما أحسنوا التلقي احسنوا الفهم عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم ففهموا أوامر الله تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم على مراد الله عز وجل ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، فلما صَفَتْ مفاهيمهم من شوائب المناهج الأُخرى وأدران الأديان الوضعية وخزعبلات الملل المُحرفة، بلغت نفوسهم القمة السامقة والدرجة الرفيعة التي لا تدانيها درجة فاستعلوا بإيمانهم على كل شئ وأنتجت تلك المفاهيم آثارًا ارتقوا بها إلى درجة المثال فصار المثال واقعًا ملموسًا.
فلا عجب إذًا ان ينطلقوا فاتحين لينصروا دين الله تعالى مستعلين على حطام الدنيا الزائل، لأنهم فهموا ان دين الله هو الحق الذي لا مرية فيه وان ما سواه باطل وأجدر ان يُقتلع من جذوره من الأرض {فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تُصرفون} ، وقال الله تعالى {قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق ان يُتبع أمن لا يَهِدِّي إلا ان يُهدى فمالكم كيف تحكمون} .
لقد أيقن الجيل الأول رضي الله عنهم ان دين الله ليس نِحلةً من نِحل الأرض الجاهلية ولا ملة تسير في خط موازٍ لباقي الملل بل هو الحق الذي قامت عليه السماوات والأرض، وبُعثت من أجله الرسل، وجُرِّدت في سبيل أقامته السيوف، {ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا ان اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه (أُمرت ان أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويُقيموا الصلاة ويُؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) [متفق عليه] .
وما فَعَل الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه ما فعل، عندما دخل على رستم قائد الفرس لا يعبأ بصولجانه ولا بهيلمانه؛ إلا من آثار فهمه الحق لدين الله تعالى، وقوله: (الله تعالى ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام) ، دليل على ذلك.
وحين ينحرف فهم الناس للإسلام تنحرف كذلك آثارهم إذ كل إناء بما فيه ينضح.
فعندما يُنظر إلى الإسلام بنظرة الفكرة التي من الممكن ان تحتمل الخطأ - حاشا دين الله -
فعندها يُوضع على طاولة الاختبار وتُجرى عليه القرعة ولا يُحمل عليه الناس حملًا بالحق تنفيذًا لأمر الله تعالى حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
وعندما يُنظر إلى الإسلام على انه ملة كسائر ملل الأرض، عندها لا عجب ان تُعقد المؤتمرات وتُشكل الجمعيات للمؤاخاة بين الأديان، وعندها لا يُستغرب ان يعيش المسلم أي عيشة شاء وتحت أي ظرف كان لان المهم أن ينتسب إلى الإسلام