فالأول والثاني مخطئان، والثالث أصاب الحق، وهو التثبت مصداقًا لقوله تعالى: {يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} .
أخي الحبيب:
لقد أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتثبت من كل خبر يصل مسمعك قبل أن تحكم به أو تشيعه في الناس، لأنه من الظلم والبغي والجور الحكم على الأمور وعلى الأفراد والهيئات بمجرد سماع الاخبار، وأغلبها اشاعات أو تهويل ومبالغات، من الاعتداء أيضًا اتخاذ مواقف بناء على ما لم يثبت ببرهان صحيح أو باعتراف صريح
{ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولًا} .
يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: (والتثبت من كل خبر، ومن كل ظاهرة، ومن كل حركة، قبل الحكم عليها، هو دعوة القرآن الكريم، ومنهج الإسلام الدقيق ومتى استقام القلب والعقل على هذا المنهج لم يبق مجال للوهم والخرافة في عالم الحكم والقضاء والتعامل، ولم يبق مجال للأحكام السطحية والفروض الوهمية في عالم البحوث والتجارب والعلوم -إلى قوله - إنها أمانة الجوارح والحواس والعقل والقلب، أمانة يسأل عنها صاحبها وتسأل عنها الجوارح والعقل والقلب جميعًا، أمانة يرتعش الوجدان لدقتها وجسامتها كلما نطق اللسان بكلمة، وكلما روى الإنسان رواية، وكلما أصدر حكمًا على شخص أو أمر أو حادثة {ولا تقف ما ليس لك به علم} ولا تتبع مالم تعلمه علم اليقين، ومالم تتثبت من صحته: من قول يقال، ورواية تروى ومن ظاهرة تُفسر، أو واقعة تُعلل، ومن حكم شرعي، أو قضية اعتقادية، وفي الحديث"إياكم والظن فإنه أكذب الحديث"وفي سنن أبي داود:"بئس مطية الرجل زعموا"، وفي الحديث الآخر"إن أفرى الفرى أن يُري الرجل عينيه مالم تريا"وهكذا تتضافر الآيات والأحاديث على تقرير ذلك المنهج الكامل المتكامل الذي لا يأخذ العقل وحده بالتحرج في أحكامه، والتثبت في استقرائه، إنما يصل ذلك التحرج بالقلب في خواطره وتصوراته، وفي مشاعره وأحكامه، فلا يقول اللسان كلمة، ولا يروي حادثة، ولا ينقل رواية، ولا يحكم العقل حكمًا، ولا يبرم الإنسان أمرًا إلا وقد تثبت من كل جزئية ومن كل ملابسة ومن كل نتيجة، فلم يبق هنالك شك، ولا شبهة في صحتها {ان هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} حقًا وصدقًا) .اهـ [في ظلال القرآن لسيد قطب 5/ 326]
وممَّا يلحق بهذا الخلق العظيم رد الأمر إلى أهله عند ورود الشبهات والسؤال عنها مع افتراض بطلانها، وسلامة الصدر تجاه المسلمين ابتداءً، وقطع الطريق على وساوس الشيطان وظنونه إلى ثلج القلب والعقل، درءًا للفتنة وجمعًا للكلمة، وإن من الناس من لا يراعى لمسلم حرمة ولا عرضًا، فإذا بلغه أمر أشاعه وطار به، وصاح كشيطان العقبة، لا يراعي مصلحة شرعية، ولا يحسب للأمر مآله وآثاره، همه مصلحته الشخصية وهواه ونفعه.
فإذا علمت هذا تبين لك خطأ من يبقى حابسًا للشبهات في صدره عند ورودها عليه، فتتزعزع ثقته في إخوانه أو في قيادته، وهو في هذا مخالف للشرع الكريم، فكيف إذا انضاف إلى هذا أن يبنى على ضوء ما ورد عليه من شبهات أقوالًا وأفعالًا تؤدي إلى إعاقته، وإعاقة إخوانه، أو تركه للأعمال المكلف بها من قبل قيادته. ألا يُعد من فعل هذا زائدًا في المخالفة للشرع متماديًا في العصيان؟
فكيف يكون الحال إذا لم يقتصر الأمر على هذا، بل قام بنشر تلك الشبهات في الآخرين من إخوانه، مثبطًا للهمم وقاتلًا للعزائم والإرادات ومفرقًا للصف وداعيًا للهلكة.