قال الإمام القرطبي في تفسيره للآية السالفة: (والمعنى أنهم إذا سمعوا شيئًا من الأمور فيه أمن نحو ظفر المسلمين وقتل عدوهم {أو الخوف} وهو ضد هذا {أذاعوا به} أي أفشوه وأظهروه وتحدثوا به قبل أن يقفوا على حقيقته - إلى قوله- وقوله تعالى {ولو ردوه إلى الرسول والى أولى الأمر منهم} أي لم يحدثوا به، ولم يفشوه حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يحدث به ويفشيه، أو أولو الأمر وهم أهل العلم والفقه، عن الحسن وقتادة وغيرهم وقال السدي وابن زيد: الولاة، وقيل أمراء السرايا {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} أي يستخرجونه، أي يعلمون ما ينبغي أن يُفشى منه وما ينبغي أن يُكتم) [الجامع لأحكام القرآن 5/ 291]
فالتثبت - أخي الحبيب - هو الأدب الذي تقتضيه طبيعة العمل الحركي الجماعي، أما التسرع في إصدار الأحكام وإشاعتها فهو خفة وطيش وحدَّة تعود على صاحبها بالسوء أول ما تعود، وتمنعه من التثبت والوقار والحلم، وتجلب عليه أنواعًا من الشرور والآثام، وهي قرين الندامة، فقل من استعجل إلا ندم، وإن أساس تقييم الفرد والجماعة هو - مستوى القيم والأخلاق المبنية على اعتقاد صحيح- الأخلاق مع النفس، ومع الغير فهو الأدب في جميع شؤون الحياة حيث تكمل مروءة الإنسان، التي هي أساس تقييم الناس في كل زمان ومكان.
وختامًا يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله:(والصورة التي يرسمها هذا النص، هو صورة جماعة في المعسكر الإسلامى، لم تألف نفوسهم النظام، ولم يدركوا قيمة الإشاعة في خلخلة المعسكر، وفي النتائج التي تترتب عليها، وقد تكون قاصمة، لأنهم لم يرتفعوا إلى مستوى الأحداث، ولم يدركوا جدية الموقف، وأن كلمة عابرة وفلتة لسان، قد تجر من العواقب على الشخص ذاته، وعلى جماعته كلها مالا يخطر له ببال، وما لايتدارك بعد وقوعه بحال، أو ربما لأنهم لا يشعرون بالولاء الحقيقي الكامل لهذا المعسكر، وهكذا لا يعنيهم ما يقع له جراء أخذ كل شائعة، والجري بها هنا وهناك، وإذاعتها حتى يتلقاها لسان عن لسان، سواء كانت إشاعة أمنٍ أو إشاعة خوف، فكلتاهما قد يكون لإشاعتها خطورة مدمرة - إلى قوله- وعلى أية حال فهي سمة المعسكر الذي لم يكتمل نظامه، أو لم يكتمل ولاؤه لقيادته، أو لهما معًا، ويبدو أن هذه السمة وتلك كانتا واقعتين في المجتمع المسلم حينذاك، باحتوائه على طوائف مختلفة المستويات في الإيمان، ومختلفة المستويات في الولاء، وهذه الخلخلة هي التي كان يعالجها القرآن بمنهجه الرباني، والقرآن يدل الجماعة المسلمة على الطريق الصحيح {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} أي لو أنهم ردوا ما يبلغهم من أنباء الأمن أو الخوف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إن كان معهم أو إلى أمرائهم المؤمنين، لَعَلِمَ حقيقته القادرون على استنباط هذه الحقيقة، واستخراجها من ثنايا الأنباء المتناقضة والملابسات المتراكمة.
فمهمة الجندي الطيب في الجيش المسلم، الذي يقوده أمير مؤمن - بشرط الإيمان ذاك وحده - حين يبلغ إلى أذنيه خبر، أن يسارع فيخبر به نبيه أو أميره، لا أن ينقله ويذيعه بين زملائه، أو بين من لا شأن لهم به، لأن قيادته المؤمنة هي التي تملك استنباط الحقيقة، كما تملك تقدير المصلحة في إذاعة الخبر - حتى بعد ثبوته - أو عدم إذاعته) . اهـ [في ظلال القرآن لسيد قطب 2/ 724]
وبالله تعالى التوفيق
[عن مجلة الفجر]