فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 163

وللشجاعة حد تعرف به إذ لو زادت عن حدها صارت تهورًا، ولو قلت عنه صارت خورًا وجُبنًا، ولهذا عرَّف العلماء الشجاعة بأنها: (الإقدام في موضع الإقدام، والإحجام في موضع الإحجام، والثبات في موضع الثبات والزوال في موضع الزوال، وما سوى ذلك إما جبن أو تهور) . وليست الشجاعة مرادفة للقوة بل هما متغايران.

فالشجاعة هي ثبات القلب عند الحوادث والنوازل وان كان صاحبها ضعيف البطش، كما كان الصديق رضي الله عنه في أعظم مصائب الأمة وهي وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حيث تقدم الناس ثابت الجنان قائلًا: أيها الناس من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت، وتلى الآية الكريمة: {وما محمدٌ إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين} .

فثبَّت قلوب الناس رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

ومن صور الشجاعة والثبات عند ذلك الجيل النبوي الأول، وصية الصديق أيضًا لقائد جنده سيف الله خالد بن الوليد رضي الله عنه: (يا خالد .. احرص على الموت توهب لك الحياة) .

ولما أدركت خالدًا المنية على فراشه قال: (والله لقد حضرت وقاتلت في أكثر من مائة معركة في الجاهلية والإسلام، وما في جسدي موضع شبر إلا وبه طعنة برمحٍ، أو ضربةٍ بسيف، أو رميةٍ بسهم، وها أنا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء) . اهـ

قال حسان بن ثابت يصف شجاعة وإقدام ذلك الجيل:

ولكن على أقدامنا تقطرُ الدما ... ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا

وقد تكون الشجاعة والثبات في الصبر على الأذى أو مقاومة المنكر، أو في كملة الحق عند سلطان جائر، كما كان ثبات إمام أهل السنة أحمد بن حنبل في فتنة خلق القرآن، وما من الأئمة والصالحون إلا أوذي وامتحن وكانت شجاعتهم وثباتهم نبراسًا للأمة وصورًا مشرقة للحق على مر تاريخ الأمة وسيرتها.

وأما الجبن .. فهو خلق مذموم عند جميع الخلق، وأهله هم أهل سوء الظن بالله، ولهذا فقد تعوذ منه صلى الله عليه وسلم ومن البخل الذي غالبًا ما يلازمه في الطبيعة الإنسانية فقال: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ومن العجز والكسل ومن الجبن والبخل ومن غلبة الدين وقهر الرجال) [رواه البخاري] .

وقد تكون صفة الجبن هي نقطة التناقض بين التكوين الشخصي وبين الحق الشرعي ممَّا يجعل صاحب هذه الصفة يلوي أعناق النصوص الشرعية الصريحة، أو يتأولها حتى يتفادى المخاطر، بدل أن يوطن نفسه على الخضوع لأمر الله تعالى.

قال ابن القيم: (فجهاد الدفع يقصده كل أحد ولا يرغب عنه إلا الجبان المذموم شرعًا وعقلًا، وجهاد الطلب الخالص لله يقصده سادات المؤمنين) [الفروسية ص 29] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت