رحيم؛ فتأمل كيف ذكر الله عز وجل الصبر بعد الفتنة وبعد الهجرة والجهاد، ليدلنا على أهمية هذا الخلق العظيم لهذه العبادة العظيمة، وليدلنا على أنه خير زاد لإستمرار السير في طريق الهجرة والجهاد، وذلك لما فيهما من المشاق والمصاعب التي لايصبر عليها إلا من كان مستعينًا بالله، ومتوكلًا عليه وموقنًا بحسن العاقبة ومتخلقًا بهذا الخلق العظيم.
وذكر الصبر ووصف أهل الجهاد وأمرهم به كثير في كتاب الله عز وجل، كما في قوله تعالى في آخر سورة آل عمران {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون} فالمطلوب من المجاهد أن يتبوأ أعلى درجة من درجات الصبر ألا وهي المصابرة، أي مغالبة الاعداء في الصبر فكما أن الكفار وأهل الباطل يصبرون على باطلهم فعلى المجاهد أن يصبر كذلك على الحق الذي يعتقده ويدعو إليه ويجاهد من أجله أكثر من صبرهم على باطلهم. وقوله تعالى {اصبروا وصابروا ورابطوا} هو انتقال من الدرجة الادنى وهي الصبر الى الدرجة الأعلى وهي المصابرة، فالصبر دون المصابرة، والمصابرة دون المرابطة وكلها يحتاج اليها الاخ المجاهد، فهو مطلوب منه الصبر على طريق الجهاد وما يلاقيه فيه من صعوبات وشدة وكرب، ومصابرة بينه وبين عدوه، ورباط نفسه للجهاد في كل وقت ومكان.
يقول الاستاذ سيد قطب رحمه الله في تفسير هذه الآيات (والمصابرة ... وهي مفاعلة من الصبر .. مصابرة هذه المشاعر كلها، ومصابرة الأعداء الذين يحاولونجاهدين أن يفلوا من صبر المؤمنين .. مصابرتها ومصابرتهم، فلا ينفد صبر المؤمنين على طول المجاهدة، بل يظلون أصبر من اعدائهم وأقوى: أعدائهم من كوامن الصدور، واعدائهم من شرار الناس سواء، فكأنما هو رهان وسباق بينهم وبين أعدائهم، يدعون فيه الى مقابلة الصبر بالصبر، والدفع بالدفع، والجهد بالجهد، والإصرار بالإصرار .. ثم تكون لهم عاقبة الشوط بأن يكونوا أثبت وأصبر من الأعداء، وإذا كان الباطل يُصر ويصبر ويمضي في الطريق، فما أجدر الحق أن يكون أشد اصرارًا وأعظم صبرًا على المضي في الطريق) [1/ 552 في ظلال القرآن] .
ويقول الشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني(ففي هذه الآية يأمر الله الذين آمنوا بالصبر، ويأمرهم بالمصابرة، والمصابرة فيها مغالبة للخصوم بالصبر، فإذا صبر العدو في قتال المؤمنين، فعلى المؤمنين أن يغالبوه بالصبر، فيصبروا اكثر منه، حتى يكسروا بصبرهم صلابة صبره.
وأجدر الخصمين المتقاتلين بالظفر أكثرهم صبرًا، ماداما متكافئين او متقاربين في القوة والعدة، يضاف الى ذلك أن المؤمنين يملكون من القوى المعنوية ضعف ما لدى اعدائهم في الحد الأدنى الواجب، وعشرة اضعاف ما لدا أعدائهم في الحد الأقصى المندوب إليه لدى كمال الإيمان) [2/ 321 الاخلاق الاسلامية وأسسها] .
ويقول الشيخ عبدالله بن احمد القادري (ولما كان الصراع بين الحق والباطل قائمًا إلى يوم القيامة، وجنود الحق دائمًا في مقاتلة مع جنود الباطل، كما قال سبحانه {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفًا} وقال تعالى {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم ان استطاعوا} لما كان الأمر كذلك كان لزامًا على جند الله المؤمنين وحزبه المفلحين أن يكون صبرهم أشد من صبر أعدائهم وأثبت وأشمل حتى لايولوّا مدبرين عند اقل زلزلة فيكون أعداؤهم أكثر ثباتًا منهم.
والصبر من الأخلاق الإنسانية التي يمكن أن يأخذ كل واحد منها حظه على قدر عزمه وسمو هدفه وحرصه على تحقيق ذلك الهدف، لذلك كان الصبر خير ما أعطيه عبد وأوسعه كما في حديث ابي سعيد الخدري رضي الله عنه وفيه"ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر"